
ونحن نعيش في خضم أجواء المصاب على الحسين عليه السلام برز إلينا السيد حسين الشامي مستشار رئيس الوزراء العراقي بمقطع مصور يهاجم فيه الشعائر الحسينية ويقلصها على عدة أمور بل وينعت ما عداها بالبدعة وبفاعليها بالجهلة الأمر الذي أتسم بالجرأة على العزاء الحسيني والذي جرح مشاعر الشيعة في بقاع المعمورة، فكان لزاماً علينا أن نبين أن ما جاء في كلامه لا يخضع للمتبنيات العلمية وهو أبعد ما يكون عن الأسلوب الحوزوي الذي يُسلك في مناقشة مثل هذه المواضيع الحساسة، لكن مع كل المغالطات التي وردت في حديثه وتأديةً للواجب الشرعي الذي يمليه علي ضميري الديني رأيت أن أرد على دعواه بالحجة والبرهان.
فقد قال الشامي مستهلا كلامه ( أني طلبة ولستُ أعلم العلماء )
أقول:- مادام أن السيد يعترف بأنه من الطلبة وليس أعلم العلماء فالخوض في مثل هذه المسائل خصوصا الشعائر الحسينية ليس من شؤون الطلبة، فالطلبة لابد أن ينشغلوا بتحصيلهم العلمي ولا يجعلوا أنفسهم في مقام الإفتاء والتنظير في القضايا المفصلية للطائفة، ثم أننا لم نعرف للسيد الشامي مقاماً علمياً في الأوساط العلمية يمكنه من التواضع، فالرجل منشغل في القضايا السياسية وهو بعيد عن الساحة العلمية والحوزوية.
يقول السيد الشامي ( لم يثبت من الشعائر إلا الزيارة والمجلس الحسيني والشعر والبكاء )
أقول:- لا ريب أن ما ذكره يُعتبر من الشعائر ولا إشكال عليه لكن الإشكال يكون في نفي غيرها، إذ قد ثبتت جملة من الأمور التي تنصب في رافد الشعائر الحسينية إلا أن السيد قد غض الطرف عنها ربما لأنها لا تنسجم مع أفكار الحزب الذي ينتمي إليه، فهناك جملة من الأمور التي وردت على لسان أهل البيت عليهم السلام يقع تحت عنوانها كثير من المصاديق نذكر بعضا منها، فعلى سبيل المثال ما أورده العاملي في الوسائل حيث جاء ( محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد بن داود القمي في نوادره عن محمد بن عيسى، عن أخيه جعفر بن عيسى، عن خالد بن سدير أخي حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل شق ثوبه على أبيه أو على أمه أو على أخيه أو على قريب له، فقال: لا بأس بشق الجيوب، قد شق موسى بن عمران على أخيه هارون، ولا يشق الوالد على ولده، ولا زوج على امرأته، وتشق المرأة على زوجها وإذا شق زوج على امرأته أو والد على ولده فكفارته حنث يمين ولا صلاة لهما حتى يكفرا أو يتوبا من ذلك، فإذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، وفي الخدش إذ أدميت وفي النتف كفارة حنث يمين، ولا شئ في اللطم على الخدود سوى الاستغفار والتوبة، ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي عليهما السلام، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب )
ووجه الاستدلال بالرواية قوله عليه السلام ( ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي عليهما السلام، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب )
فالرواية تذكر شق الجيب ولطم الخدود وتحصر هذا الفعل على الحسين عليه السلام حيث قال عليه السلام ( وعلى مثله تُلطم الخدود وتُشق الجيوب ).
فعليه إن لطم الخدود وشق الجيوب من الشعائر التي نفاها السيد.
وأيضا ما جاء في المستدرك (قال: قال:. يا علقمة واندبوا الحسين ( عليه السلام ) وابكوه وليأمر أحدكم من في داره بالبكاء عليه، وليقم عليه في داره المصيبة بإظهار الجزع والبكاء، وتلاقوا يومئذ بالبكاء بعضكم إلى بعض في البيوت وحيث تلاقيتم، وليعز بعضكم بعضا بمصاب الحسين ( عليه السلام )، قلت: أصلحك الله كيف يعزي بعضنا بعضا ؟ قال: تقولون: أحسن الله أجورنا بمصابنا بأبي عبد الله الحسين عليه السلام، وجعلنا من الطالبين بثأره مع الإمام المهدي إلى الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين،)
ووجه الاستدلال بالرواية قوله عليه السلام ( وليقم عليه في داره المصيبة بإظهار الجزع والبكاء )
فإظهار الجزع بأمر من المعصوم عليه السلام لا يشكك فيه أحد، والجزع يندرج تحته مصاديق عدة فكل فعل لم يرد فيه حرمة وأُريد به الجزع على الحسين عليه السلام يكون مشمولاً بإظهار الجزع، فإلامام عليه السلام أعطى الضابطة العامة للجزع وقد التزم الفقهاء بذلك بحسب ما صدر منهم من فتاوى، فعلى سبيل المثال الطبل إذا استخدم في مجالس اللهو يكون محرما إلا أنه إذا تم استخدامه في مجالس العزاء في العزاء والتشبيه يخرج عن كونه محرما، وهذا ما التزم به الفقهاء فقد جاء في استفتاء للسيد الخوئي قدس سره الشريف ما هذا نصه ( الطبل إذا استعمل في الشعائر الحسينية في مورد من مواردها كتمثيل واقعة الطف أمام الجمهور وذلك لمجرد إظهار ما كانت عليه في السابق أصوات طبول الحرب هل يبقى على الحرمة والإشكال؟
وجاء الجواب لا حرمة فيه في مفروض السؤال.
ثم أنك يا سيد قلت أن الشعائر منحصرة في ( الزيارة والمجلس الحسيني والشعر والبكاء ) فهل المحاضرات في المجالس الحسينية بدعة باعتبارها أنا لم يرد بحقها دليل؟
فإنه وبحسب التتبع لم يرد إلينا أن المجالس الحسينية في زمن المعصومين كانت كما هي اليوم بأن يتصدرها حديث ومن ثمة ذكر مصيبة الحسين عليه السلام.
ثم لماذا تفترض أن كل ما يدور حول مصاب الحسين عليه السلام لابد وأن يكون قد صدر بحقه دليل خاص ؟
إلا تكفي العمومات والاطلاقات التي جاءت في حق المواساة وإظهار الجزع ؟
وكي نرتقي بالبحث فنقول سلمنا جدلاً أن الأفعال التي يأتي بها الناس اليوم -والتي تراها بدعة- بعنوان الشعائر أو إظهار الجزع لم يرد بحقها نص لكن هل يعني هذا أننا نملك الحق تحريمها ؟
بالطبع لا يجوز أن نحرم أمراً من غير أن نستند إلى دليل شرعي، ثم أننا وعلى أكثر تقدير فإن غاية ما يصيب تلك الأفعال هو الشك وإذا استقر الشك فهو مجرى قاعدة البراءة وأصالة الحلّ، وعلى هذا فلا نستطيع أن نحرم أي أمر بحسب الذوق الشخصي، فالتحريم يحتاج إلى دليل شرعي كما قرره الفقهاء.
وقال السيد ( إذا كان الفقهاء لديهم مصالح شرعية وموضوعية لم يستطيعوا أن يواجهوا مثل هذه الأشياء )
أقول:- إن الفقهاء الذين قادوا دفة المذهب ببركة الإمام الحجة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وحفظوا الدماء في الأوقات الحرجة أمام طغاة العصر وخرّجوا علماء على مستوى الفقهاء ليكملوا المسيرة وعانوا أبشع ألوان العذاب والتضييق لا تمنعهم مصلحة دنيوية من إخفاء حكم شرعي، هؤلاء الفقهاء الذين تجرعوا غصص ظلم النظام الصدامي في سبيل الطائفة أكبر من تتهمهم بأنهم غير قادرين على المواجهة، وأي مواجهة التي تتحدث عنها فهل هناك أعنف من مواجهة السيد الخوئي قدس سره الشريف حينما حرّم شراء البضائع التي كانت تأتي من الكويت أبان الغزو الصدامي لدولة الكويت وقال أنها مغصوبة، وهل هناك مواجهة أوضح عندما واجه من قبله السيد الحكيم قدس سره الشريف المد الشيوعي وأخرج فتواه المشهورة، وغيرها من المواقف التي تدل على عِظم موقع المرجعية وتاريخها المفصلي للطائفة.
إن الذي يتهم فقهاءنا بعدم القدرة على المواجهة هم من كانوا في كنف بريطانيا العظمى يتمتعون بطقسها البارد ومنظر نهر التايم، غاية همهم الحصول جنسيتها وعلى راتب من حكومتها، فهل مثل هؤلاء من يُشخصون للفقهاء تكليفهم ويعرضون بالمرجعية بتعريض رخيص ؟
ولماذا لا تفسر سكوت المرجعية كقبولٍ وإمضاءٍ لهذه الأفعال خصوصا وأن الفتاوى الصادرة منهم بهذا المجال كثيرة جدا ودالة على هذا المعنى، ثم فلنسلم جدلاً أن فقيهاً أو أثنين كان لهم مصالح شرعية أو موضوعية تمنعهم من المواجهة، فهل يُعقل أن كل الفقهاء بهذا التاريخ الطويل لديهم نفس المصالح المانعة ؟
وقال السيد ( فلا ينبغي للمثقفين والأدباء والمؤسسات والمعاهد أن تستسلم لإرادة الجهلة)
أقول:- ومتى كان الحكم الشرعي منوطاً بالمثقفين والأدباء والمؤسسات، فهذه المسألة إن كانت ذات طابع ديني فهي من شؤون الفقهاء لا عوام الناس، ثم من الذي نعت المقيمين لعزاء الحسين عليه السلام بالجهلة ؟
إن كنت جنابك قد أطلقت عليهم هذه الصفة فلماذا تريدنا أن نتبعك ونقلدك ونترك الفقهاء الذين ما استعمل أحد منهم هذه الصفة بحق الشيعة المقيمين لعزاء الحسين عليه السلام، فلماذا تفرض وجهة نظرك وتنظيرك على الآخرين وأنت تعرف جيدا أنك لست من أهل الفن والصناعة الفقهية، وكان الأحرى بك أن تستغيث بالفقهاء حول هذه المسألة وليس بالمؤسسات والمعاهد والمثقفين لكنك تعلم أن أبواب الفقهاء سوف تجدها مغلقة بوجه هذا الرأي فلذا رحت تُحرك المثقفين والذين نعرف توجههم جيدا.
قال السيد ( اللطم الخفيف )
أقول:- من أين جاءنا السيد بهذا القيد أعني الخفيف ؟
هل ورد دليل كرواية على اللطم الخفيف المعبر عن الحزن أم أن المسألة ذوقية ؟
قطعا إن المسالة ذوق محض بعيدة عن أي دليل علمي.
إن الانتقائية الواضحة في كلام السيد تدل على أن هذا الفكر قد بُني على الذوقيات المحضة وذلك لإرضاء المذاهب الأخرى.
قال السيد ( ماعدا ذلك فقد جاءتنا من الفرس والترك )
أقول:- ومن قال أن العزاء الحسيني مقتصر ومحصور على القومية العربية ؟
إن لكل قوم تعابيرهم الخاصة المستخدمة لإظهار الحزن، ولا نملك الحق في أن نصادر تعابيرهم الخاصة، ولا مانع من أن نستخدمها في نفس الغرض إذا كانت تؤدي المطلوب ولم يرد دليل على منعها.
قال السيد ( نُسلم أنفسنا بيد العوام والجهلة يقودون مسيرة أهل البيت في هذا الزمن الشائك )
أقول:- تدعو جنابك إلى عدم تسليم مسيرة أهل البيت عليهم بيد العوام وقبل قليل كنت تدعو المثقفين والمؤسسات للتحرك، فهل الأدباء والمثقفون ليسوا بعوام؟؟ أي تناقض هذا.
إن استخدام لفظة العوام تشمل كل من ليس له نصيب وحظ من الجانب الفقهي حتى وإن كان له من الشهادات الأكاديمية الشيء الكثير.
إذا كان الفقهاء لديهم مصالح شرعية وموضوعية من التحرك وليسوا قادرين على قيادة مسيرة أهل البيت عليهم السلام، فمن الذي له القدرة على قيادة المسيرة ؟
إن تفريغ المرجعية من مضمونها الريادي والقيادي كان ولا يزال هدفا للحزب الذي ينتمي إليه الشامي فهو من هنا يعمل على تجذير هذه الفكرة بشكل معمق في نفوس الشيعة، وهو في الواقع غش بيّن، دائما كان هدف هذا الحزب تصوير المرجعية بأنه جهاز خامل مقيد بقيود ذات طابع مصلحي وأن المثقفين هم أعمدة المذهب ولهم الحرية في تصحيح المسيرة والقيادة والنهوض بالمجتمع الشيعي ليرتقي ويسمو مستخدمين عبارات رنانة وألفاظاً براقة يدغدغون بيها ضمائر الناس، لكن الواقع خلاف هذا تماماً.
قال السيد ( تكثير سواد هذه المجالس وتشجيعها لا يجوز أصلا وهي بدعة وهي من أصدق البدع )
أقول:- في بداية حديث السيد يقول أني طلبة وهنا يفتي بأن الحضور بهذه المجالس لا يجوز، فهل من شؤون الطلبة أن يقول يجوز ولا يجوز بناءا على رأيه الشخصي؟
إلا يعلم السيد قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ( من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض )
ثم الحكم على هذه الأمور بأنها بدعة أمر غاية في الغرابة، إذ أن البدعة كما عرّفها الفقهاء أنها جعل ما ليس من الدين في الدين، وبعبارة أدق أمر لم يرد فيه دليل فيقوم أناس ويدعون أن هذا الأمر قد جاء به دليل وأنه جزء من الدين، كصلاة التراويح عند المذهب السني وأما الأمور المتعلقة بالعزاء الحسيني فلم يقل أحد أنها جزء من الدين وقد جاء نص خاص بحقها بل كلها تُستخدم ككواشف عن إظهار الجزع والمواساة، فهي تطبيق لقول الإمام عليه السلام وإظهار الجزع، فهي تطبيقات ولم يدّعِ أحد من المعزين الشيعة أن الزنجيل ورد فيه نص بل هو مصداق للمواساة وإظهار الحزن، وأي فرق بين البدعة وبين التطبيق ؟
إن استخدام السيد لمفردة البدعة وتطبيقها بهذا الشكل الواسع والمنبسط والسيّال متحد مع تطبيقات الوهابية في تعريفهم للبدعة، فالوهابية يقولون كل شيء لم يرد فيه نص فهو بدعة الأمر الذي ضيّق عليهم الخناق فراحوا يبحثون عن مبررات أقل ما توصف بأنها مضحكة.
ولنترك السيد الشامي مع بعض الفتاوى لفقهاء الطائفة المتناولة لمسائل العزاء الحسيني فحسن الظن يفرض علينا أن نقول أنه لم يطلع على هذه الفتاوى.
ما هو حكم الزنجيل والطبول في مراسم العزاء الحسيني؟
السيد السيستاني:- لامانع منه
ما هو نظر سماحتكم في تمثيل واقعة كربلا، حيث يقوم بعض المؤمنين والمؤمنات بتصوير هذه الواقعة المؤلمة في المحافل الحسينية، ويلزم من ذلك أن يرتدي الرجال الملابس الخاصة بالنساء، أو العكس، فهل من محذور في البين ؟
السيد الخوئي:- لا إشكال فيما ذكر في مفروض السؤال.
هل ثمة إشكال في إدماء الرأس ( التطبير ) على ما هو المعهود المعروف في بعض مظاهر إظهار الحزن وإشادة العزاء على روح إمامنا المفدى أبي عبد الله الحسين عليه السلام مع فرض أمن الضرر ؟
السيد الخوئي: لا إشكال في ذلك في مفروض السؤال في نفسه، والله العالم.
كلمة أخيرة
إن قضية الحسين عليه السلام طالما حاربتها جهات كثيرة، جهات ظاهرة وأخرى خفية بحجة التنظيم والترتيب إلا أن كل هذه المحاولات باتت بالفشل الذريع، وأستمر الحسين عليه السلام قبلةً للشيعة ومناراً للضمائر الحية، وليس كلام السيد الشامي كلاماً جديداً بل إن الفكرة كانت منذ القِدم إلا أنها تصاغ في كل عام بصيغ مختلفة وتُقال بألسنة مختلفة وهي ليست ذات تأثير يُذكر إلا على أبناء الحزب الذي ينتمي إليه الشامي، فهم يجترون الكلام سنة بعد سنة طمعا في الوصول لهدفهم السقيم.
قال الإمام الرضا عليه السلام ( إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون القتال فيه فاستحلت فيه دماؤنا وهتكت فيه حرمتنا، وسبى فيه ذرارينا ونسائنا وأضرمت النيران في مضاربنا وانتهب ما فيها من ثقلها، ولم تدع لرسول الله حرمة في أمرنا إن يوم قتل الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا، أرض كربلا أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء فعلى مثل الحسين فلبيك الباكون، فان البكاء عليه يحط الذنوب العظام ثم قال " عليه السلام " كان أبى " عليه السلام " إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا، وكانت الكئابة تغلب عليه حتى تمضى منه عشرة أيام فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول هو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام.).
والحمد لله رب العالمين
ودمتم لكل الخير،،،
جواد القزويني