
شبهة في زواج المتعة
بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم
إن الخلاف بين الشيعة والسنة قائم على كثير من النقاط العقائدية والفقهية والفكرية، وهو خلاف لم يكن وليد الأمس القريب بل هو خلاف قديم منذ أن أنتقل النبي الأعظم (ص) إلى الرفيق الأعلى، وقد اتسعت مساحة الخلاف بين الطائفتين مع مرور الزمن وظهور دول كانت سياسيتها ضرب البيت العلوي وكل من ينتمي إليه بالتنكيل والظلم والقهر، حتى تعدت أيادي تلك الدول إلى العلوم فزوّرت وزيفت ونقلت ووضعت، مما حدا بالرقعة الخلافية أن تتسع حتى نالت جزئيات كثيرة من الفقه الإسلامي، ولما كانت الهجمة ذاتصبغة شرسة على الشيعة فقد قرر الشيعة أن يقارعوا هذا التزييف الحاصل من تلك الدول الجائرة انطلاقا من إيمانهم بدورهم الرسالي الذي يحفظ السياق العام للخط الإسلامي، وفعلا ما تركوا طريقا علميا إلا وسلكوه في سبيل تحقيق هذه الغاية، ونتيجة للظروف السياسية الصعبة التي كانت محدقة بأتباع أهل البيت عليهم السلام، كانت حركتهم بطيئة إلا أنها بدت ذات جدوى ونفع وأتت أوكلها الإيجابية.
إن المسائل الخلافية بين الشيعة والسمة كثيرة جدا، إلا أن من ضمن هذه المسائل التي أخذت مأخذا عظيماً بين الطائفتين مسألة زواج المتعة، حيث نالت هذه المسألة اهتماماً بالغ الأهمية في النقاشات والكتابات وطُرحت مراراً على موائد الحوار العلمي، ولا تزال هذه المسألة مشكّلة حلقة مهمة في سلسلة طويلة من تلك المسائل الخلافية، وقد قام أهل العامة على مرور الزمن بنعت هذا الزواج بالزنا مستندين إلى أدلة أقل ما توصف بأنها غير صحيحة، الأمر الذي ولّد لغة خطاب موصوف بالبغضاء بين الشيعة والسنة خصوصا عندما يعيب هؤلاء على الشيعة بأنهم يزنون باسم الدين.
ولست هنا في مقام مناقشة الموضوع بكل جوانبه الدينية والاجتماعية وإنما أناقش شبهة طالما روّجوا لها بخصوص هذه المسألة، هذه الشبهة التي يريدون من خلالها أن يحرموا ما أحله الله تعالى ويمنعوا الناس من الوصول إلى الإسلام الحقيقي.
ولذا سوف استعرض هذه الشبهة مع جوابها بيانا للمنصفين فقط وليس المتعصبين الذي يحاولون القفز على كل النظم المنطقية في سبيل تحقيق مآربهم.
فيقول أحدهم في كتاب له مستنداً آية مباركة ما هذا نصه.
( قالوا إن عمر بن الخطاب نهى عن متعة الحج ومتعة النساء وهما مشروعتان، فكيف يحرّم عمر ما أحلّه الله ؟! )
وقال: ( إن النهي عنها – متعة النساء – ثبت عن علي رضي الله عنه عن النبي (ص) كما في الصحيحين أنّه قال لابن عباس – لما سمع أنه يبيح متعة النساء – إنّك امرؤٌ تائه فإن رسول الله (ص) قد حرّم المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبرة.
والعجيب أن هذا الحديث موجود في كتب الشيعة المعتمدة، وكذلك حيث سلمة بن الأكوع في مسلم أن النبي (ص) حرّم المتعة عام الفتح، وكذلك سبرة الجهني عند مسلم أن النبي (ص) حرّم المتعة.
فعمر نعم نهى عن المتعة فكان ماذا ؟ نهى عن شيء نهى عنه رسول الله (ص)، نهى عن شيء نهى عنه رب العزة تبارك وتعالى لما قال: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)فسماهم عادين تبارك وتعالى.
وهم يستدلون – أي نحن الشيعة - بقول الله تبارك وتعالى: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) يستدلون بالقراءة ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ – إلى أجل مسمى - فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ)
أقول:-
إن الرد على هذه الشبهة إنما يقع في محورين
الأول:- مشروعية زواج المتعة عند أهل العامة
الثاني:- الآية المباركة الدالة على تحريم زواج المتعة ومناقشتها.
المحور الأول:-
أجمع المسلمون على أن زواج المتعة قد شُرّع إسلاميا وذلك بمقتضى قوله تعالى (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) 1
وقد أجمع المفسرون من أبناء العامة وغيرهم على أن هذه الآية قد نزلت بحق هذا الزواج ولم يُعرف مخالف إلا ما شذّ وندر.
فقد ذكر الطبري
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: * ( فما استمتعتم به منهن ) * قال: يعني نكاح المتعة.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، قال: ثنا نصير بن أبي الأشعث، قال: ثنى حبيب ابن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عباس مصحفا، فقال: هذا على قراءة أبي. قال أبو كريب، قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير فيه: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، قال: أما تقرأ سورة النساء ؟ قال: قلت بلى. قال: فما تقرأ فيها: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ؟ قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك ! قال: فإنها كذا.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنى داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فذكر نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، قال: قرأت هذه الآية على ابن عباس: ( فما استمتعتم به منهن ) قال ابن عباس: إلى أجل مسمى، قال قلت: ما أقرؤها كذلك ! قال: والله لأنزلها الله كذلك ثلاث مرات. 2
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره
وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ مرتين وقال آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك. وقد روى عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة وهو رواية عن الإمام أحمد وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤن " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجروهن فريضة " وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة ولكن الجمهور على خلاف ذلك 3
وقال السيوطي
وأخرج عبدبن حميد وابن جرير وابن الانباري في المصاحف والحاكم وصححه من طرق عن أبى نضرة قال قرأت على ابن عباس فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة قال ابن عباس فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فقلت ما نقرؤها كذلك فقال ابن عباس والله لأنزلها الله كذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال في قراءة أبى بن كعب فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى.
وأخرج ابن أبى داود في المصاحف عن سعيد بن جبير قال في قراءة أبى بن كعب فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى.
وأخرج عبد الرزاق عن عطاء انه سمع ابن عباس يقرؤها فما استمتعتم به منهن إلى أجل فآتوهن أجورهن وقال ابن عباس في حرف أبى إلى أجل مسمى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد فما استمتعتم به منهن قال يعنى نكاح المتعة. وأخرج ابن جرير عن السدى في الآية قال هذه المتعة الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهى منه بريئة وعليها أن تستبرئ ما في رحمها وليس بينهما ميراث ليس يرث واحد منهما صاحبه.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبى شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نسأونا فقلنا ألا نستخصى فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكموأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سيرة الجهنى قال أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة في متعة النساء 4
وقال الصنانعي
عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يراها الآن حلالا، وأخبرني أنه كان يقرأ ( فما استمتعتم [ به ] منهن إلى أجل فآتوهن أجورهن ]، وقال ابن عباس: في حرف " إلى أجل "، قال عطاء: وأخبرني من شئت عن أبي سعيد الخدري قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سويقا، وقال صفوان: هذا ابن عباس يفتي بالزنا، فقال ابن عباس: إني لا أفتي بالزنا، أفنسي صفوان أم أراكة، فوالله إن ابنها لمن ذلك، أفزنا هو ؟ قال: واستمتع بها رجل من بني جمح 5
وقال البيهقي
أخبرنا ) أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو عمرو بن السماك ثنا يحيى بن أبى طالب أنبأ محمد بن عبيد ( ح وأخبرنا ) أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان النيسابوري ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد قالا ثنا اسمعيل عن قيس عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء فقلنا ألا نحتصى فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى اجل - لفظ حديث أبى عثمان –
وفي حديث أبى عبد الله ثم رخص لنا في أن نتزوج المرأة بالثوب إلى اجل ثم قرأ عبد الله ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ) الآية - أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من أوجه عن اسمعيل بن أبي خالد 6 -
وقال النيسابوري
اخبرنا ) أبو زكريا العنبري ثنا محمد بن عبد السلام ثنا إسحاق بن إبراهيم انبأ النضر بن شميل انبأ شعبة ثنا أبو سلمة قال سمعت أبا نضرة يقول قرأت على ابن عباس رضي الله عنهما فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة قال ابن عباس فما استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى قال أبو نضرة فقلت ما نقرأها كذلك فقال ابن عباس والله لا نزلها الله كذلك هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.7.
وقال النووي
ثبت أن نكاح المتعة كان جائزا في أول الإسلام 8
وقال الهيثمي
عن أبى سعيد الخدرى قال كنا نتمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثوب. رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح 9
وأخرج عبد الرّزاق بسند صحيح – والرّواية طويلة نأخذ منها موضع الشاهد –: (... قال عطاء وسمعت ابن عبّاس يقول: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلاّ رخصة من الله – عزّ وجل – رحم بها أمّة محمد (ص) فلو لا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شقي، قال: كأني والله أسمع قوله إلاّ شقي – عطاء القائل – قال عطاء: فهي التي في سورة النساء: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ... } )10
ونقل القرطبي
وروى عطاء عن ابن عباس قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي
وبعد استعراض هذا الجزء اليسير من أقوال علماء العامة في مشروعية زواج المتعة نستخلص أن لا يوجد مخالف معتد به قد قال أن الآية قد نزلت في غير المتعة، إذ أن المخالف لهذا الرأي قد صُنف من الشواذ الذين لا يؤخذ بقولهم ولا يُنظر لهم من الواقع العلمي.
ولذا نجدهم لا يُنكرون بوجه أن هذا الضرب من الزواج قد شُرّع وقد عُمل به من قِبل كبار الصحابة في حياة رسول الله (ص) الأمر الذي يكشف أن هذا الزواج ليس ضربا من وحي الخيال أو أنه وكما يُعبّر عنه اليوم بالزنا.
بل هو زواج إسلامي قد نصّ عليه الله تعالى وأمر به النبي (ص) المسلمين وعملوا به وفق الضوابط الشرعية.
ومن هنا اتكأ المعاندون على تحريم هذا الزواج لأدلة أخرى مفادها أنه (ص) قد حرّم نكاح المتعة على المسلمين وبقيت تحت عنوان التحريم إلى يوم القيامة ومن ضمن هذه الأدلة
قوله تعالى
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) وهذا ما سوف نبحثه مفصلا في المحور الثاني إن شاء الله تعالى.
المحور الثاني
يزعم العامة أن هذه الآية المباركة قد وردت في تحريم زواج المتعة.
قالوا إن قوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)
دليل على تحريم المتعة لأن زواج المتعة ليس مشمولاً بقوله ( إلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ )
وقبل أن نذكر الروايات لابد من نقاش لتفسير الآية المباركة التي أدعوا أنها ناسخة لنكاح المتعة.
فنقول:
إن الذين استدلوا بنسخ نكاح المتعة بهذه الآية المباركة كثر ومنهمالجصاص الذي قال
(قال تعالى فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون يقتضي تحريم نكاح المتعة إذ ليست بزوجة ولا مملوكة يمين وقد بينا ذلك في سورة النساء في قوله وراء ذلك معناه غير ذلك وقوله العادون يعني من يتعدى الحلال إلى الحرام فأما قوله إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم استثناء منالجملة المذكورة لحفظ الفروج وإخبار عن إباحة وطء الزوجة وملك اليمين فاقتضت الآية حظر ما عدا هذين الصنفين في الزوجات وملك الأيمان ودل بذلك على إباحة وطء الزوجات وملك اليمين لعموم اللفظ فيهن11
ولمناقشة هذا القول لابد من مقدمة ببيانها يتهدم هذا الرأي بحيث لا يصلح أن يكون دليلاً على المدعى.
أقول
لابد من إثبات أن الزوجة المتمتع بها هل هي داخلة في قوله تعالى (إلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) بحيث تسمى زوجة أم لا ؟بحيث تكون داخلة في عموم قوله تعالى (أزواجهم )
لا يختلف معي مسلم أن نكاح المتعة لما كان مباحاً – بحسب نظرية العامة – في الصدر الأول للإسلام كان نكاحاً مشروعاً وله من القوانين والضوابط ما يكون ضابطاً للعقد بحيث أن المرأة لا تكون حليلة الرجل إلا بإجراء عقد النكاح القائم أساسا من الإيجاب والقبول من الطرفين.
فلو جمدنا على تلك الفترة التي كان فيها هذا الزواج مشروعا وكان المسلمون يعملون به فإنه يتبادر إلى الذهن سؤال وهو.
ماذا كانت تسمى المرأة التي كانت تُنكح آنذاك بهذا الضرب من النكاح أعني المتعة ؟
الأمر محصور في أمور ثلاث لا رابع لها
الأول:- زانية
الثاني:- ملك يمين
الثالث:- زوجة
فلم نعهد تسمية أخرى غير هذه الثلاث في علاقة المرأة الأجنبية بالرجل.
أما الأول فلا يمكن الالتزام به قطعا إذ أن النكاح كان محللاً آنذاك ويكفي ما استعرضنا من الأدلة، وهي مسألة أتفق على جزئياتها الشيعة والسنة بأن المتعة كانت مباحة في الصدر الأول للإسلام ولم نعثر على أحد وصف المتعة في تلك الحقبة بأنها زنا، مضافا إلى أن النبي (ص) حاشاه أن يأمر بالقبيح وأي قبيح أقبح من الزنا.
وأما الثاني فإنه أيضا واضح البطلان إذ أن ملك اليمين شراء وتملك ويستحل بموجب هذا التملك فرج المرأة ولا ينفسخ إلا بالعتق بينما نجد أن نكاح المتعة ينفسخ بانتهاء المدة المتفق عليها بين الرجل والمرأة باتفاق الفريقين.
فلا يبقى لنا إلا أن نقول أن المرأة التي تُنكح بزواج المتعة تسمى في لغة الشارع الأقدس بالزوجة وهو الحق.
ومما يعضد دعوانا الروايات الواردة في المقام آنفة الذكر حيث جاء في الدر المنثور ( وأخرج عبد الرزاق وابن أبى شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نسأونا فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكموأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سيرة الجهنى قال أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة في متعة النساء )12
إذ أن النبي الأعظم قد رخّص للمسلمين أن يتزوجوا متعة مما يعني أن هذا النوع من النكاح هو زواج وليس شيء آخر، فقال الراوي (ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل ).
وكذا الرواية التي ذكرها البيهقي
(أخبرنا ) أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو عمرو بن السماك ثنا يحيى بن أبى طالب أنبأ محمد بن عبيد ( ح وأخبرنا ) أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان النيسابوري ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد قالا ثنا اسمعيل عن قيس عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء فقلنا ألا نحتصى فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورخص لنا إن ننكح المرأة بالثوب إلى اجل - لفظ حديث أبى عثمان - وفي حديث أبى عبد الله ثم رخص لنا في أن نتزوج المرأة بالثوب إلى اجل ثم قرأ عبد الله ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ) الآية - أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من أوجه عن اسمعيل بن أبى خالد 13
وأيضا قول الراوي (ثم رخص لنا في أن نتزوج المرأة بالثوب إلى اجل ) مما يدل على أن المسلمين كانوا يعرفون هذا النكاح بالزواج.
وأيضا ما جاء في السنن الكبرى
(أخبرنا ) أبو بكر بن فورك أنبأ عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أبا بصرة يقول قلت لجابر بن عبد الله إن ابن الزبير ينهى عن المتعة وان ابن عباس يأمر بها قال جابر على يدي دار الحديث تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان عمر [رضي الله عنه] خطب الناس فقال إن الله عزوجل كان يحل لنبيه عليه السلام ما يشاء وان القرآن قد نزل منازله فافصلوا حجكم من عمرتكم وأبتوا نكاح هذه النساء لا أوتى برجل تزوج امرأة إلى اجل إلا رجمته - أخرجه مسلم في الصحيح من حديث غندر عن شعبة ورواه همام عن قتادة 14
فقول عمر بن الخطاب (لا أوتى برجل تزوج امرأة إلى اجل إلا رجمته) دليل على أن نفس عمر يرى أن نكاح المتعة زواج.
ومن المعلوم إذا قبلنا أن هذا النكاح يسمى زواج فإن طرفيه لابد أن يكون زوج وزوجة ولا يسميان بشيء آخر.
أذن فالمرأة التي تُنكح بالزواج سواء بالزواج الدائم أو المتعة تسمى زوجة فتكون مشمولة بالآية المباركة وليست ناسخة لها كما أدّعى البعض من علماء العامة.
مضافا إلى ذلك وردت روايات يدل مضمونها على أن آية المتعة لم يرد من القرآن ما ينسخها ففي رواية عمران بن حصين قال
حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يحيى ثنا عمران القصير ثنا أبو رجاء عن عمران بن حصين قال نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات 15
أضف إلى كل ذلك أن الآية تشمل الرجال والنساء على حدّ سواء في الحكم لكننا نجد أن المرأة عندما تملك عبداً لا يجوز لها نكاحه فهل لا تكون مشمولة بقوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم ؟!
فبمقتضى الآية نجد أن قوله تعالى ( ملكت أيمانكم) تشمل المرأة التي تملك عبداً وبمقتضى الأدلة الأخرى وبإجماع المسلمين أن الحرة لا تنكح عبداً.
فإذا جاز الاستثناء من هذا المورد حكما جاز لنا أن نستثنى زواج المتعة أيضا وذلك بمقتضى إطلاق أدلة التشريع على أننا لسنا بحاجة للاستثناء وذلك لثبوت أن المتمتع بها زوجة فتكون مشمولة بقوله تعالى ( إلا على أزواجهم).
ومن هنا نجد أن ما استدلوا به من أن قوله تعالى ( إلا على أزواجهم ) غير شاملة للمتعة ومن إنها محرّمة للمتعة أمرٌ لا يمكن الالتزام به.
ولذا أن قوله تعالى بالآية الكريمة (إلا على أزواجهم) شاملة لزواج المتعة والزواج الدائم فلا يكون المجري لعقد المتعة لا يوصف بالمتعدي لحدود الله.
ودمتم لكل الخير،،،
1سورة النساء آية 24
جامع البيان - ابن جرير الطبري ج 5 ص 182
تفسير ابن كثير ج ص 4863
الدر المنثور ج 2 ص1404
المصنف - عبد الرزاق الصنعاني ج 7 ص 4985
السنن الكبرى - البيهقي ج 7 ص 2006
المستدرك - الحاكم النيسابوري ج 2 ص 305 7
شرح مسلم - النووي ج 9 ص 1798
مجمع الزوائد - الهيثمى ج 4 ص 2649
مصنف عبد الرّزاق 7/397 حديث رقم: 14098 10
أحكام القرآن - الجصاص ج 3 ص 330 11
الدر المنثور ج 2 ص14012
السنن الكبرى - البيهقي ج 7 ص 20013
السنن الكبرى - البيهقي ج 5 ص 21 14
مسند احمد - الإمام احمد بن حنبل ج 4 ص 436 15