
مقدمة:-
كان الاقتصاد ولا يزال الحلقة المهمة في الحياة البشرية، لما يلعبه من دور مهم في تسيير المجتمعات وجعلها في حركة نشطة متجهة نحو النهوض والتقدم وذلك لما يمثله التطلع وحب التقدم من حاجة فطرية جُبل عليها الإنسان، فالإنسان الناجح يرفض أن يبقى مراوحاً في مكانه في جميع الأصعدة، وكان للاقتصاد دوراً بارزاً في خضم حركة تطور الفرد في المجتمع، ومن هنا كان التنوع في إثراء الساحة الاقتصادية هو السمة الرئيسية من خلال مرور الوقت، فبعدما كان الكسب الاقتصادي محصوراً بعقود بسيطة كالبيع والإيجار والرهن وغيرها من المعاملات الأساسية أصبح اليوم داخلا في معاملات كثيرة بحلّة جديدة لم تكن في ذلك الزمن الأمر الذي فسح المجال لكثير من المؤسسات الأجنبية من دخول المجتمع المسلم بمعاملات يشوبها كثير من المحرمات التي تغرق الإنسان في بحر من المعاصي.
ولا يُفهم من هذا الكلام أن الإسلام ضد التنوع الاقتصادي أو ضد التجديد في المعاملات، بل الإسلام كان ولا يزال يلعب الدور التنظيمي لحياة الإنسان كي يجنبه المعاصي وكي يحفظه من المحرمات.
وفي زمن الأسهم وتوجه الناس إلى البورصات والتعاملات البنكية لم يكن هناك بد من التصدي لبعض التجاوزات الشرعية ببيان المسائل المتعلقة بالباب.
ومن هنا افتتحنا هذا الباب لشرح المسائل الاقتصادية مستعينين بجملة من رجال الاقتصاد الذين يملكون خبرة وباعا طويلا في مجالهم لشرح المعاملات حتى يتسنى لنا بيان الحكم الشرعي بإزائها.
ودمتم لكل الخير،،،
جواد القزويني
أنواع البنوك
قبل بيان مسائل هذا الباب لابد من بيان أن البنوك في زماننا اليوم تنقسم إلى ثلاثة أنواع
الأول:- البنوك الحكومية
وهي البنوك التي تقوم الدولة على تمويلها بشكل كامل، بحيث يكون رأس مال البنك مالاً حكومياً صرفاً.
الثاني:- البنوك الأهلية
وهي البنوك التي يتكون رأس مالها من شخص واحد أو عدة أشخاص مشتركين، بحيث يكون هذا الشخص الممول أو الأشخاص معلومين.
الثالث:- البنوك المشتركة
وهي البنوك التي يتكون رأس مالها بشكل مشترك بين الدولة وبين فرد أو أفراد، ولا يشترط أن تكون نسبة الشركة على نحو التساوي فيكفي مساهمة الدولة بجزء يسير مثل 5% مثلا والعكس صحيح.
التعاملات مع البنوك
لما أصبح البنك هو المؤسسة الأساسية لتنمية وتحريك العجلة الاقتصادية في البلدان وبسط النفوذ الاقتصادي على موارد التعاملات المالية كانت نتيجة هذا الأمر انخراط شريحة ليست بالبسيطة من الناس للدخول في معاملات مع هذا الكيان الاقتصادي مما حدا بتلك البنوك إلى اختراع جملة من المعاملات المصرفية الغرض منها السيطرة والهيمنة على أكبر عدد ممكن من الناس، وقد أدى ذلك الأمر إلى وقوع كثير من المكلفين بالإشكالات الشرعية كالربا والعقود الفاسدة.
ومن هذا المنطلق ولاتساع رقعة المعاملات البنكية الجديدة تصدى الفقهاء لمثل هذه المعاملات لبيان الأحكام الشرعية وتصحيح ما يمكن تصحيحه من تلك المعاملات حتى لا يقع المكلف بالمحظور، ولأجل هذا سوف نغطي في هذا الباب كل المعاملات البنكية في يومنا الحاضر ورأي الشارع المقدس في كل منها.
القروض الشخصية
القرض الشخصي:- وهو أن يقوم البنك بإقراض الفرد مبلغاً من المال في مقابل إرجاع هذا المبلغ بشكل دفعات (أقساط) شهرية أو سنوية في مقابل فائدة تضاف على رأس المال.
ومثاله:- كأن يقوم البنك إقراض شخص مبلغ 10,000 دينار على أن يسددها في خلال خمس سنوات بواقع شهري مقداره 250 دينار فيكون بنهاية الخمس سنوات قد أرجع مبلغ 15,000 دينار، فيكون قد دفع العميل مبلغ 5,000 دينار زيادة على أساس القرض.
هذا النوع من المعاملات بالنظرة الأولى تُعتبر غير جائزة ومحرمة شرعاً لأنها ربا بيّن واضح، فإنه لا يجوز الاقتراض بشرط الزيادة بلا فرق بين أن يكون الاقتراض مع الرهن أو بدونه.
ولتطبيق هذا النوع من المعاملات على أنواع البنوك الثلاثة التي ذكرناها في بداية البحث فإن الحكم بعدم الجواز واحد ولا فرق بين البنوك الثلاثة إلا أنه يوجد حلّ وطريق للتخلص من الحرام المترتب على إجراء هذا النوع من المعاملات.
الأول:- القرض الشخصي من البنوك الأهلية.
كما ذكرنا أن القرض بشرط الزيادة محرّم ولا يجوز شرعا، لكن للتخلص من الحرام المترتب يتبع التالي.
أن يشتري المقترض من صاحب البنك أو من وكيله المفوض بضاعة بأكثر من قيمتها الواقعية 10% أو 20% مثلاً على أن يقرضه مبلغاً معيناً من النقد، أو يبيعه متاعا بأقل من قيمته السوقية، ويشترط عليه في ضمن المعاملة أن يقرضه مبلغاً لمدة معلومة يتفقان عليها. وعندئذ يجوز الاقتراض ولا ربا فيه.
ومثاله:- كأن يملك البنك سيارة قيمتها الواقعية 5,000 دينار فيقوم البنك ببيعها على العميل بقيمة 6,000 دينار ويتم البيع بشرط أن يقوم البنك بإقراض العميل مبلغاً وقدره 1,000 دينار وحين سداد العميل للقرض فإنه يسدد مبلغ 1,000 دينار مضافا إلى دفع 1,000 دينار أخرى فرق سعر البيع في السيارة،فيكون العميل قد دفع 2,000 دينار وبهذا يتحقق ربح البنك من المعاملة دون الوقوع في الربا المحرم.
وللفرار من الوقوع في الربا نذكر طريقة أخرى وهي.
أن يقوم العميل ببيع سيارة قيمتها الواقعية 5,000 دينار بمبلغ 3,000 على البنك بشرط أن يقرضه البنك مبلغ 2,000 دينار.
وبالتالي فإن العميل سوف يسدد مبلغ 2,000 دينار قيمة القرض على أن البنك قد ربح مبلغ 2,000 دينار الفارق بين السعرين من قيمة السيارة.
فيكون البنك قد ربح دون أن يتعامل المكلف بالربا.
فائدة 1
إن الحكم في البنك الأهلي ليس مختصاً بالبنوك فقط فإنه يجري حتى على بعض المؤسسات الاستثمارية والشركات التمويلية، فقد نمى لعلمنا قيام بعض الشركات والمؤسسات بإقراض الناس مبالغ مالية بشرط الزيادة وعلى ضوء ذلك تكون هذه المؤسسات والشركات متحدة بالحكم مع البنوك الأهلية.
الثاني:- القرض الشخصي من البنوك الحكومية.
لا يجوز التصرف بالمال المقبوض من البنك الحكومي بدون إذن من الحاكم الشرعي أو وكيله.
ويعود السبب في ذلك إلى كون المال مالاً مجهول المالك.
ومع كون المال مالاً مجهول المالك فإنه لا يجوز الاقتراض من البنك الحكومي بشرط الزيادة لأنه ربا.
وللخلاص من هذا المحذور الشرعي يستطيع المكلف أن يقبض المال لا بعنوان القرض وإنما بعنوان قبض مجهول المالك الذي يحتاج في جواز قبضه أذن من الحاكم الشرعي أو وكيله، كما لا يضر المكلف علمه بأن البنك يستوفي الزيادة ( الفوائد ) منه قهراً حيث لا يسع المكلف أن يتخلف عن سداد الفوائد.
ومثاله:- ينوي المكلف حين إجراء المعاملة أنه يريد أن يقبض أمولاً مجهولة المالك وإن كانت الهيئة الخارجية للمعاملة هيئة قرض ربوي، فإن أمكنه عدم سداد الفوائد المترتبة على المبلغ عمل به وإلا فلا وحيث أنه بالأعم الغالب لا يستطيع المكلف التخلف عن السداد لما يترتب عليه من ضرر فإن دفعه مرغما كافي في الخلاص من الحرام.
فائدة 2
إن ما يقبضه الناس في بعض الدول من بنك التسليف من قروض لبناء البيوت أو شرائها وللمساعدة في الزواج خارج عن الحكم المذكور باعتبار أن هذا القرض ليس قرضاً ربوياً حيث لا زيادة فيه، إلا أنه يلزم المكلفين حين قبض هذه الأموال مراجعة مرجع التقليد كي يجيز لهم التصرف بهذه الأموال حيث أن هذه الأموال مجهولة المالك.
الثالث:- القرض الشخصي من البنوك المشتركة.
الأموال الموجودة في البنوك المشتركة تُعتبر أموال مجهولة المالك، ومن هنا يظهر حكم القرض من البنوك المشتركة فإنها ملحقة بالبنوك الحكومية ويشملها نفس الحكم.
فائدة 3
لا يشترط لمن يريد الاقتراض من البنوك أن يكون محتاجاً بل يجوز لكل شخص وإن لم يكن محتاجاً أن يقترض إذا ما أتبع الطرق التي يتخلص بها عن الحرام.
الودائع:-
الوديعة وهي أن يضع العميل مبلغاً من المال في مقابل الحصول على نسبة من الربح الشهري أو السنوي.
وترجع حقيقة هذه المعاملة إلى أن العميل في واقع الأمر يقرض البنك مبلغاً من المال بشرط الحصول على الفائض.
ومثاله:- كأن يودع العميل مبلغ 100,000 دينار في مقابل أن يحصل على مبلغ 250 دينار بشكل شهري.
وهذا اللون من المعاملات غير جائزة بالنظرة الأولية.
الوديعة في البنوك الأهلية
لا يجوز إقراض البنك بشرط الحصول على الفائض المسمى في عرف اليوم بالإيداع، بلا فرق بين الإيداع الثابت الذي له أمد خاص بمعنى أن البنك غير ملزم بوضعه تحت الطلب، وبين الإيداع المتحرك المسمى بالحساب الجاري أن البنك ملزم بوضعه تحت الطلب.
ويمكن التخلص من الحرام بأن يكون الإيداع من غير هذا الشرط.
الوديعة في البنوك الحكومية
لا يجوز إيداع المال بالبنوك الحكومية بعنوان التوفير بشرط الحصول على الربح والفائدة لأنه رباً.
ويمكن التخلص منه بأن يودع العميل مبلغاً من المال بدون شرط الزيادة، وبعبارة أدق، يبني العميل في نفسه على أن البنك لو لم يدفع إليه الفائدة فإنه لا يقوم بطلب الفائدة من البنك.
وبهذا يجوز الإيداع بقصد التوفير.
وأما لو قام البنك بدفع الفائدة للعميل فيحق للعميل أن يقبضها بعنوان مجهول المالك وذلك بعد الاستئذان من الحاكم الشرعي أو وكيله.
الوديعة في البنوك المشتركة
قد عرفت أن حكم البنوك المشتركة من جهة التعاملات مشتركة مع البنوك الحكومية فيشملها نفس الحكم السابق.
مسائل متعلقة بحكم الودائع.
1- إذا أراد شخص أن يودع مبلغاً من المال في البنك وسأله الموظف في البنك عن نوع الحساب الذي يريد أن يودع فيه إن كان حسابياً جارياً أو توفير، وهو يعلم أن حساب التوفير هو الحساب الذي يدفع البنك من خلاله الفائدة والربح دون الجاري، فحينئذ يجوز له أن يختار التوفير بشرط أن يبني في نفسه عدم مطالبة البنك بالفائدة على أن يقول للموظف إذا لم يدفع لي البنك ربحا لسبب من الأسباب فلن أطالبكم بشيء.
2- يجب عند استلام الإرباح من المال المودع وهو مال مجهول المالك أخذ إجازة من الحاكم الشرعي أو وكيله على أن يصرف نصفه للفقراء ويتصرف بالنصف المتبقي 1.
3- إذا كان للأولاد الذين هم دون سن التكليف مالاً في البنك بعنوان الوديعة وقد دفع البنك أرباحاً على رأس مال الوديعة فيجب على الأب حينئذ أخذ إجازة من الحاكم الشرعي أو وكيله ويدفع نصف الأرباح للفقراء ويجعل المتبقي على أموال الأولاد.
4- إن حكم الإيداع في البنوك الغير إسلامية نفس الحكم في البنوك الإسلامية.
1) تختلف المسألة في النسبة التي يجب أعطائها للفقراء من مرجع إلى آخر ولذا يجب على كل مكلف مراجعة مرجعه في المسألة حتى يتسنى له معرفة النسبة التي يوجبها مرجعه في التصرف بمجهول المالك.
لا يوجد أي تعليق حول المقال.