القزويني سيد جواد سماحة السيد جواد القزويني التقية التقيّة تقية صوم يوم عاشوراء الوهابية الشيعية الجديدة فرويد في فقه عائشة شيعة الشيعة إسلام اسلام علي محمد فاطمة المقالات
اللهم صل على محمد وآله ، وقنا منك ، واحفظنا بك ، واهدنا إليك ، ولا تباعدنا عنك ، إن من تقه يسلم ، ومن تهده يعلم ، ومن تقربه إليك يغنم
 
 
 

ردّ على كلام لسيد حسين الشامي حول الشعائر الحسينيةفعلى مثل الحسين فلبيك الباكونهكذا كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلمعفوا أيها القرضاويعلامات الظهور الشريفشبهة في زواج المتعةمسائل في الزواجثقافة الأكاديمية والحوزات العلميةشبهات حول عصمة الانبياء (1)شبهات حول عصمة الانبياء (2)
الصفحة الرئيسيةبحوث الموقع >  شبهات حول عصمة الانبياء (1)

شبهات حول عصمة الانبياء (1)
بقلم: السيد جواد القزويني | 13/5/1429 | القرآء: 490 | عدد التعليقات (0)

مختصر حول المقال
قد مرّ عليك الأدلة الدالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام والآيات الحاكية لعصمتهم مما لا يدع مكاناً للشك والريبة، لكن في مقابل هذه الآيات التي استدلالانا بها وردت بعض الآيات التي تُوهم في بادي النظر أنها تنفي العصمة عنهم عليهم السلام من حيث الإطلاع على ظاهرها، ولذا جرت العادة لمن يتعرض لموضوع عصمة الأنبياء عليهم السلام أن يبحث عن هذه الآيات ويعالجها بشكلٍ يتضح معه الحق ويرتفع به اللبس، فمن المناسب أن نستعرض هذه الآيات وعلاجاتها إتماماً للفائدة.




قد مرّ عليك الأدلة الدالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام والآيات الحاكية لعصمتهم مما لا يدع مكاناً للشك والريبة، لكن في مقابل هذه الآيات التي استدلالانا بها وردت بعض الآيات التي تُوهم في بادي النظر أنها تنفي العصمة عنهم عليهم السلام من حيث الإطلاع على ظاهرها، ولذا جرت العادة لمن يتعرض لموضوع عصمة الأنبياء عليهم السلام أن يبحث عن هذه الآيات ويعالجها بشكلٍ يتضح معه الحق ويرتفع به اللبس، فمن المناسب أن نستعرض هذه الآيات وعلاجاتها إتماماً للفائدة.
فقد قسّم العلماء هذه الآيات إلى طائفتين
الطائفة الأولى:- ما يتعرض ظاهرها عصمة بعض الأنبياء كآدم ونوح ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا ً.
الطائفة الثانية:- ما يُوهم عدم عصمة نبينا الأعظم (.

نبي الله آدم عليه السلام

ورد في خبر آدم عليه السلام قوله تعالى (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)1

وفي موضع آخر قال تعالى(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)2
إن ما يستوقف الباحث في هذه الآيات بعض الفقرات الواردة التي لامناص من بحثها ومحاولة حلّ الغموض الذي يكتنفها، وإذا ما أردنا أن نفهرس عملية البحث نجد أننا يجب أن نقف عند عدة مواضع
أولها قوله تعالى (وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)
ثانيها:- قوله تعالى (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا)
ثالثها:- قوله تعالى (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى)
رابعها:- قوله تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)
خامسها:- قوله تعالى (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)

وقبل أن نبدأ في دراسة الآية الأولى لابد أن تعرف أن الأوامر في الشريعة تنقسم إلى نحوين وهي ما يعرف بالأوامر المولوية والأوامر الإرشادية ونحن لابد لنا أن نبين الفرق بين الأمر المولوي والأمر الإرشادي حتى يتسنى لنا معرفة أن الأمر في قوله تعالى (ولا تقربا) هل هو داخل في ضمن الأوامر المولوية أم من الأوامر الإرشادية.
فقد قال زعيم الطائفة السيد الخوئي قدس سره (إن الوجوب ليس داخلا في مفهوم الأمر، ولا الحرمة داخلة في مفهوم النهي، فان مفهوم الأمر هو الطلب والوجوب إنما هو بحكم العقل، فان العقل بعد صدور الطلب من المولى يحكم بلزوم إطاعة المولى، ويرى العبد مستحقا للعقاب على ترك ما أمر المولى بفعله وهذا هو معنى الوجوب، وكذا الحرمة إنما هي بحكم العقل بلزوم الإطاعة وكون العبد مستحقا للعقاب على فعل ما نهي المولى عنه، فلم يستعمل الأمر في موارد الوجوب والاستحباب إلا في معنى واحد. إنما التفاوت بينهما في ثبوت الترخيص في الترك من قبل المولي وعدمه، فعلي الأول لم يبق مجال لحم العقل بلزوم الإتيان بالفعل، فكان الفعل راجحا مع الترخيص في تركه.
وهذا هو معنى الاستحباب. وعلى الثاني يحكم العقل بلزوم الإتيان بالفعل جريا على قانون العبودية. وهذا معنى الوجوب. وكذا الحال في النهي، فان المستعمل فيه في موارد الحرمة والكراهة شئ واحد إنما التفاوت بينهما في ثبوت الترخيص من قبل المولى على الفعل وعدمه، فعلى الأول كان الفعل مكروها. وعلى الثاني حراما بحكم العقل، فتحصل إن شمول الموصول للمستحبات لا ينافي ظهور النهي في التحريم، لان الترخيص بترك المقدور من أجزائها لا ينافي حكم العقل بلزوم الإتيان بالمقدور من أجزاء الواجب، بعد عدم ثبوت الترخيص في تركها. 3(
ثم أن الأمر والنهي إن صدرا بداعي جعل السبيل على المخاطب بهما، بنحو يقتضي إضافة الفعل للآمر والناهي وحسابه عليه، انتزع منهما الحكم المولوي الذي يكون موضوعا للطاعة والمعصية وموردا لأهلية المخاطب للثواب والعقاب من قبل الآمر. وإن صدرا لمحض إرشاد المخاطب لآثار الأفعال الثابتة لها مع قطع النظر عن الأمر والنهي من دون أن يقتضيا إضافة الفعل للآمر وحسابه عليه، لم يكونا منشأ لانتزاع الحكم، ولا يكون الداعي العقلي لموافقتها إلا بحسب داعويته للأثر المستكشف بهما. فإذا أمر الأب ولده بالتدثر مثلا، فإن كان أمره لمحض إرشاده لحاجته إليه كان إرشاديا ولا يتحقق الداعي العقلي لموافقته إلا بتبع داعويته لسد الحاجة المفروضة. وإن كان أمره مبنيا على جعله مسئولا من قبله بحيث يأتي به لحسابه استحبابا أو وجوبا كان مولويا وصار موضوعا للداعي العقلي بنفسه - مع قطع النظر عن الملاك الموجب له - على حسب قوة الداعي لطاعته وضعفه. ومنه يظهر الوجه في عدم استغناء الحكم الواقعي المولوي المنجز في مقام المحركية عن الداعي العقلي، فإن الانبعاث عن الأمر المولوي فعل اختياري للمكلف، فلا يعقل صدوره إلا لغرض دافع له، من حب موافقة الآمر - لأهليته ذاتا أو بالعرض - أو خوف عقابه أو رجاء ثوابه والداعوية المذكورة هي مرجع حكم العقل بحسن الإطاعة أو وجوبها في الأحكام الشرعية. كما ظهر أيضا الوجه في عدم استغناء الحكم الواقعي المولوي غير المنجز في مقام المحركية عن الداعي العقلي، فإنه لولا حكم العقل بحسن الانقياد لا داعي للمكلف في الاندفاع عن احتمال الحكم المذكور. ثم إنه حيث كان الحكم المولوي من أفعال المولى الاختيارية فلابد من صدوره عن داع وغرض له فيه، من حفظ ملاك أو غيره على الكلام في ذلك. إذا عرفت هذا يقع الكلام في أوامر الطاعة والاحتياط. فاعلم: أن الأمر بالطاعة إن كان ناشئا عن ملاك آخر غير ملاك ذات الفعل كان مولويا، كما لو فرض أن تعلق التكليف بالفعل وصدق عنوان الطاعة عليه موجب لحدوث ملاك آخر فيه غير ملاكه الذي أوجب حدوث أمره، فان اهتمام الشارع بالملاك المذكور موجب لأمره به مولويا بعنوانه المذكور، بحيث يكون مضافا للمولى ومحسوبا عليه، ويكون مؤكدا للأمر المولوي الأول المتعلق بذات الفعل. ولا مجال معه لتوهم لغوية الأمر الثاني، لان تأكد الأمر موجب لتأكيد الداعوية المولوية، الموجب لتأكد الداعوية العقلية، فكما يكون الفعل موضوعا لحكمين شرعيين أحدهما متعلق بذاته، والآخر متعلق به بعنوان كونه إطاعة، كذلك يكون موضوعا لحكمين عقليين في طول الحكمين الشرعيين المذكورين يقتضيان إطاعة كل منهما، وإن اتحد الحكم الشرعي الثاني والحكم العقلي الأول موضوعا. وإن لم يكن ناشئا عن ملاك مستقل، بل ليس إلا ملاك الأمر الأول امتنع كونه مولويا، لعدم الغرض فيه بعد قيام الأمر الأول به، وتعين كونه إرشاديا لا يبتني على جعل السبيل، ولا على إضافة الفعل للمولى، فلا يكون حكما حقيقة، ولا موضوعا للطاعة والمعصية، ولا يستتبع عقابا ولا ثوابا غير ما يقتضيه الأمر الأول. ومن هنا تعين حمل أوامر الشارع بالإطاعة على الإرشاد، لما هو المفروغ عنه من عدم كون منشئها ملاكا مستقلا، وعدم استتباعها ثوابا ولا عقابا غير ما يقتضيه الأمر الأول. مضافا إلى أن ظاهرها الأمر بإطاعة كل حكم ولو كان غير إلزامي، فلو كان الأمر المذكور مولويا كان ظاهره الوجوب المقتضي لوجوب إطاعة الأوامر الاستحبابية، وهو مقطوع ببطلانه، وحمل الأمر بالإطاعة على الاستحباب، أو على مطلق الطلب ليس بأولى من حمله على الإرشاد بعد كون كل منهما خلاف الأصل في الأمر، بل الثاني أقرب ارتكازيا. كما أن ظاهر الأمر بالإطاعة عمومه لكل أمر يفرض حتى نفس وجوب الإطاعة كما هو مقتضى كون القضية حقيقية، وهو مستلزم للتسلسل، فحمله على ما عدا أمر الإطاعة دفعا للتسلسل ليس بأولى من حمله على الإرشاد، بل الإرشاد أقرب ارتكازا. 4


إذا عرفت الفرق بين الأمر المولوي والأمر الإرشادي فنقول إن الأمر في قوله تعالى (ولا تقربا) ليس أمرا مولوياً بل أمرا إرشاديا، ويدل على كون الأمر إرشاديا عدة من القرائن، وهذه القرائن كفيلة بصرف هذا الأمر من المولوية إلى الإرشادية.

والقرائن هي:-
الأولى:- إن الأثر الذي ترتب على مخالفة أمر الله تعالى في خصوص نبي الله آدم عليه السلام هو خروجه من الجنة ونزوله إلى الأرض حيث قال تعالى (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) 5
وهذا الأثر المترتب على المخالفة لابد أنه يرتفع بعدما علّمه الله كلماتٍ يتوب بها إليه فقد قال تعالى (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) 6
إلا أننا نلاحظ أن الأثر لم يرتفع بعد توبته مما يدل على أن هذا الأثر كان ملازما لنفس المنهي عنه لا نفس النهي، فالغاية التي من أجلها نهى الله آدم عليه السلام من الاقتراب من هذه الشجرة هو دفع المفسدة المترتبة –أعني الخروج من الجنة - على نفس الفعل وهو الاقتراب من الشجرة، ولهذا المعنى كثير من النظائر العرفية، فقول الطبيب للمريض الذي يشتكي من السكر امتنع عن السكريات حرصاً منه على دفع الآثار الفاسدة والتي تصاحب تناول السكريات للمريض، وإذا لم يمتثل المريض لأمر الطبيب فإنه يقع في مفاسد الآثار المترتبة على تناوله للسكريات.
فكذا الأمر في المقام فخروج آدم من الجنة وتعرضه للشقاء والتعب ما هو إلا أمر ملازم وأثر طبيعي للاقتراب من الشجرة وهو لا ينفك عنه، وهذا دليلٌ على إرشادية النهي في الآية.
وبعبارة أوضح إن الأثر الملازم لمخالفة الأمر المولوي هو أثر لنفس النهي كاستحقاق العقاب الأخروي لمن خالف أمراً مولوياً مثل دخول النار لمن تعمد ترك الصلاة الواجبة أو غيرها من العبادات المفروضة، أما الأثر الملازم للأمر الإرشادي هو الأثر الملازم لنفس المنهي عنه ،بحيث يستحق الأول العقاب من الله تعالى إذا ما أصرّ عليه ويرفع الله العقاب في حالة توبته ورجوعه أما الثاني فإن الله تعالى يعلم بالمفسدة المترتبة على نفس الفعل فيرشد الله تعالى العبد بإتيان هذا الفعل أو الانتهاء عنه ونأتي بمثال على هذا
فلو تناول الإنسان السمّ لينتحر وقبل موته تاب إلى الله على فعله وندم على اقترافه لمثل هذا الذنب العظيم فإن الله تعالى قد يغفر له ولا يجعله مستحقاً للعقاب، لكن الأثر الوضعي للسمّ لا يرتفع بمجرد توبته إذ أن أثر السم أثر ملازم للسمّية فيموت الإنسان بالسم لكنه لا يستحق العقاب لأنه تاب وأناب لله تعالى، فنلاحظ أن خروج آدمعليه السلام من الجنة وتعرضه للشقاء لم يكن عقاباً مولوياً بل كان أثراً ملازماً لاقترابه من الشجرة وهذا الأثر لو كان مولوياً لأرتفع بمجرد توبته خصوصا أنه تعالى قد علّم آدمعليه السلام كيفية التوبة بل وقد تاب عليه تعالى، لكن مع توبته تعالى على آدم عليه السلام نرى أن الأثر لم يرتفع ولم يبقى آدم في الجنة بل بعد توبته أهبط الله تعالى آدم عليه السلام إلى الأرض مما يدلّ على أن النهي منذ البداية لم يكن نهياً مولوياً بل نهياً إرشادياً يكون أثره ملازماً لنفس الفعل.
الثانية:- قد بيّن الله تعالى نوعية الآثار المترتبة على بقائه في الجنة إذا لم يخالف فقد قال تعالى (فَقُلْنَا يا آدمُ إنَّ هَذَا عَدُوّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى* إنّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى* وَأَنَّكَ لا تَظْمَوَا فِيهَا ولاَ تَضْحَى) 7
حيث بيّن أن الحياة في الجنة ماهي إلا حياة الرخاء والسعادة فلا جوع ولا عرى ولا ظمأ ولا حرّ شمسٍ في الجنة، وفي المقابل بيّن تعالى أن خارج الجنة حياة ملئوها الشقاء والتعب وبيّن تعالى لآدم عليه السلام أن نتيجة المخالفة وأثرها سوف يكون في خروجه من هذا النعيم وهذا الرخاء إلى الحياة المتعبة، وهذا يدل على أن الله تعالى كان نهيه نهياً إرشادياً بأسلوب الناصح المرشد ولم يقف سبحانه موقف الناهي الذي تجب إطاعته لعلمه سبحانه وتعالى أن الأثر الذي سوف يلاقيه آدم عليه السلام هو أثر قاسٍ يلفه التعب والشقاء.

الثالثة:- انّه سبحانه ـ بعد ما أكل آدم وزوجته من الشجرة وبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة ـ ناداهما: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوّ مُبِينٌ)8
فإنّ هذا اللسان، لسان الناصح المشفق الذي أرشد مخاطبه لمصالحه ومفاسده في الحياة، ولكنه خالفه ولم يسمع قوله، فعندئذ يعود ويخاطبه بقوله: ألم أقل لك... ألم أنهك عن هذا الأمر.

الرابعة:- إن الأثر الذي يترتب على مخالفة الأمر المولوي هو ابتعاد العبد عن لطف الله تعالى وما يكون مبعداً عنه تعالى، وهذا يُعلم من نفس امتثال الأمر المولوي إذ أن العبد يمتثل الأوامر المولوية كي يتقرب إلى الله تعالى ويكون مشمولاً بلطفه سبحانه وتعالى ، مع أننا نجد أن الأثر الذي ترتب على مخالفة آدم عليه السلام لم يكن بهذا المعنى ويدل عليه قوله تعالى (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا) 9
فإنه يكشف أن عن أنّ ما يترتب على الوسوسة ومخالفة آدم عليه السلام بعدها لم يكن إلاّ إبداء ما وُرى عنهما من السوأة، الذي هو أثر طبيعي وملازم للعمل من دون أن يكون له أثر آخر من ابتعاده عن لطفه سبحانه، وحرمانه عن قربه، الذي هو أثر المخالفة للخطابات المولوية.

الخامسة:- إن المكان الذي كان فيه آدمعليه السلام لم يكن بعد دار تكليفٍ حتى تعد مخالفته للأمر الإلهي عصياناً، فإن المكان الذي هبط إليه هو وزوجته بعدما خالف النصيحة كان هو المكان الذي يُكلف به الإنسان ، وأما المكان الذي كان فيه آدم في بادي الأمر كان مكانا ً أشبه ما يكون للتعليم والتبصير وما يترتب على إطاعة الله تعالى من سعادة أبدية وما يترتب على إطاعة الشيطان من شقاء وتعب، وفي مثل هذا المحيط لا تُعد الأوامر والنواهي تكليفاً مولوياً بل تُعد كلها وسائل للتعليم والتفهيم ويدلّ على هذا المعنى أمرين
الأول:- أن الله تعالى قد خلق آدم عليه السلام ليجعله خليفةً في الأرض فهذه الغاية الإلهية لم تكن مترتبة على مخالفة آدم عليه السلام لأمر الله تعالى بل كانت إرادته متعلقة بهذا الأمر قبل خلق آدم حيث قال تعالى مخاطباً ملائكته (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) 10
وهذا يدل أن وظيفة آدمعليه السلام كخليفة لله لا تكون سارية إلا في مكانٍ فيه تكليف وتعلقت إرادة الله به وهذا المكان كما بينت الآية القرآنية هو الأرض ولا يكون المكان الذي وجد فيه آدم عليه السلام في بداية الأمر إلا مكاناً للتعليم والتبصير وتبيان المصالح والمفاسد وما يترتب على الإطاعة والمخالفة الإلهية.


الثاني:- إن ما يدل على أن ذلك المكان كان مكاناً للتعليم والتفهيم قوله تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) 11
إن تعليم الله تعالى لآدم عليه السلام الأسماء كان لغرض تجهيز آدم عليه السلام لخلافة الأرض، وكان من الطبيعي أن يختبر الله سبحانه آدمعليه السلام بعد تلقيه التعليم الإلهي وأول اختبار خضع له آدم عليه السلام كان أمام الملائكة وهو بمثابة الاختبار النظري حيث قال تعالى لآدم عليه السلام (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) 12
فلما نجح آدم عليه السلام في هذا الاختبار أخضع الله تعالى آدمعليه السلام لاختبار عملي كي يبين له أن السعادة الأبدية إنما تكون في طاعة الله ولا يكون الخسران العظيم إلا بإطاعة الشيطان، وجاء الاختبار الثاني وهو نهيه سبحانه وتعالى عن الاقتراب من الشجرة الممنوعة، وقد بيّن تعالى لآدم عليه السلام أن الشيطان ماهو إلا عدوٌ للإنسان فقال تعالى (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين)13.
هذا الدرس الذي علّمه تعالى لآدم عليه السلام أراد به سبحانه أن يبين بشكل عملي لآدمعليه السلام أن التعب والشقاء الذين يفرّ منهما الإنسان ملازمٌ للشيطان ولطريقه، ويدلّ على ذلك أن الله تعالى في بادي الأمر جعل آدم عليه السلام في محيطٍ متصف بالسعادة وفيه كل ما يتمنى الإنسان من راحة ونعيم، وبيّن لآدمعليه السلام أن من يختار أن يكون مع الله سوف تكون نتيجته النعيم والراحة والسعادة،ومن يختار طريق الشيطان فإنه سوف يخسر ويتعب ويشقى، ومن حكمته تعالى أنه لم يعرّض آدمعليه السلام للشيطان ولخسرانه دون أن يبيّن له رحمته تعالى والسعادة الملازمة لطاعته.
فهذه القرائن التي عرضناها دالة وبوضوح على أن النهي في الآية نهي إرشادي ومخالفة هذا النهي لا يقتضي الحرمة والعصيان المولوي كما لا يستلزم العقاب الذي هو أثر للحرمة المولوية .

وأما الآية الثانية التي يجب بحثها ودراسة تفسيرها هي قوله تعالى (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) .
فالذي يخطر في الأذهان أن الزلل الحاصل من الشيطان لا يكون له إلا معنى واحد وهو المعصية، بتقريب أن الزلل الصادر من الشيطان لا يكون عادة ً إلا لجهة المعصية، فلا يمكن تصور الزلل الشيطاني إلا لجرّ العبد لما هو قبيح وما يعتبر في حدّ نفسه معصية في القانون الإلهي، فإخبار الزلل عن الله تعالى لدليل على أن الشيطان قد نجح في إلقاء آدمعليه السلام في براثن المعصية، ومن هنا نستنتج أن آدم عليه السلام وإن كان نبياً إلا أنه عصى والعصيان مخالف للعصمة، فلا يمكن القول بعصمة نبي الله آدم عليه السلام.
والجواب على هذه الشبهة إنما يكون في ثلاث مسائل
الأولى:- أن الزلل لغةً كما عن لسان العرب (زلل: زل السهم عن الدرع، والإنسان عن الصخرة يزل ويزل زلا وزليلا ومزلة: زلق، وأزله عنها. وزللت يا فلان تزل زليلا إذا زل في طين أو منطق. وقال الفراء: زللت، بالكسر، تزل زللا، والاسم الزلة والزليلى. وزل في الطين زلا وزليلا وزلولا، هذه الثلاثة عن اللحياني، وزلت قدمه زلا وزل في منطقه زلة وزللا. التهذيب: إذا زلت قدمه قيل زل، وإذا زل في مقال أو نحوه قيل زل زلة، وفي الخطيئة ونحوها، وأنشد: هلا على غيري جعلت الزله ؟ فسوف أعلو بالحسام القله وزل في رأيه ودينه يزل زلا وزللا وزلولا وزليلى تمد وتقصر، عن اللحياني، وأزله هو واستزله غيره، وكذلك زل في المزلة وأزل فلان فلانا عن مكانه إزلالا وأزاله، وقرئ: فأزلهما الشيطان عنها، وقرئ: فأزالهما، أي فنحاهما، وقيل: أزلهما الشيطان أي كسبهما الزلة. وفسره ثعلب فقال: أزلهما في الرأي، وقال اللحياني: أزلهما. وفي حديث عبد الله بن أبي سرح: فأزله الشيطان فلحق بالكفار أي حمله على الزلل وهو الخطأ والذنب. ومقام زل: يزل فيه، ومقامة زل كذلك. 14

الثانية:- أن إزلال الشيطان لآدمعليه السلام لم يكن إزلالاً بالفعل بل إزلالا بالسبب، فالشيطان ليس له السلطة والقدرة على إخراج آدمعليه السلام وحواء من الجنة بل أن غاية ما يستطيع فعله الشيطان هو تهيئة الأسباب الداعية إلى إخراج آدمعليه السلام من الجنة فالإخراج والإدخال إلى الجنة إنما يكون بيد الله تعالى، كما هو الحال في نسبة إدخال العبد المقترف للسيئات النار للشيطان فنقول لا يدخلك الشيطان إلى جهنم والحال أن الله هو من يدخل النار ومن يدخل الجنة وإنما الشيطان غاية ما يستطيع فعله هو تهيئة الأسباب الموجبة لدخول العبد إلى النار.

الثالثة:- إن الزلل الشيطاني إنما يصدق ويتحقق في الأمر المولوي والأمر الإرشادي بلا أدنى فرق، إذ قد يأمر الشارع العبد بأمر مولوي كالصلاة وغيرها فيعمل الشيطان على إزلال العبد ويحثه على ترك هذا الأمر، وقد يرشد الشارع العبد إلى أمرٍ إرشادي كحسن الإحتياط فيعمل الشيطان على إزلال العبد عن هذا الأمر بملاحظة تفويت المصلحة المترتبة على نفس المأمور به في الأمر الإرشادي وبملاحظة تفويت المصلحة المترتبة على نفس الأمر في الأمر المولوي.
وبعد بيان الجواب من خلال المسائل الثلاث لايكون هناك وجه للقول بعدم عصمته عليه السلام فإن غاية ما يمكن أن يقال في معنى هذه الآية المباركة أن الشيطان قد هيأ الأسباب الموجبة لتفويت المصلحة المترتبة على نفس المأمور به فكان خروج آدمعليه السلام من الجنة أثر طبيعي لاقترابه من الشجرة الممنوعة.
ولا بأس أن نستعرض مثال حتى يتضح المراد.
فإن المريض الذي نهاه الطبيب عن تناول السكريات إذا ما غرّه أحد بتناول السكريات سوف يكون قد اقترف ذنبا في حق نفسه وفوّت المصلحة المترتبة على تركه للسكريات ويكون قد وقع في الأثر السلبي المترتب على تناوله السكريات، والأمر بالنسبة إلى نبي الله آدمعليه السلام كذلك فإن الشيطان قد أوقعه في المخالفة التي يترتب عليها مفسدة وهو خروجه من الجنة.


وأما قوله تعالى (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى)
إن الذي يستوقف الباحث في بادي الأمر قوله تعالى (فَوَسْوَسَ) فما المراد من الوسوسة التي يرتبط معناها عادةً مع المعصية.
وللإجابة على هذا التساؤل لابد من بيان معنى الوسواس لغةً فإن تعريفها بحسب اللغة يسّهل عملية البحث ويتبين الحق كما هو المطلوب.
فكما عن لسان العرب الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي من ريح. والوسواس: صوت الحلي، وقد وسوس وسوسة ووسواسا، بالكسر. والوسوسة والوسواس: حديث النفس. يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا، بكسر الواو، والوسواس، بالفتح، الاسم مثل الزلزال والزلزال، والوسواس، بالكسر، المصدر. والوسواس، بالفتح: هو الشيطان. وكل ما حدثك ووسوس إليك، فهو اسم. وقوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان، يريد إليهما ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل 15.
إن أقصى ما يمكن استفادته من هذه الآية أن الشيطان قد حدّث آدم عليه السلام وهو معنى الوسواس فقال له (قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) ولا ملازمة بين الوسواس والمعصية المحرمة، فإن المراد من الوسواس هو الحديث فقد قال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
أي أن الله تعالى يعلم ما تتحدث به نفس الإنسان وما تحاكي النفس صاحبها،والوسوسة قد تصدر من الشيطان للعبد في ترك الواجبات وقد تصدر في ترك المستحبات وهذا مما لا خلاف فيه، فالذي يستفاد من الوسوسة التي وسوس بها الشيطان لآدم عليه السلام إنما كانت لترك الأولى وذلك لما عرفت من الأدلة التي سقناها لبيان كون الأمر في قوله تعالى (لا تقربا) أمراً إرشادياً ، وعلى هذا أن يتضح أن الوسوسة كانت لترك عدم الاقتراب من الشجرة الذي هو في واقعه كان أمرا إرشاديا فلا ملازمة بين الوسوسة وبين المعصية، نعم أن المعصية المحرمة ينحصر حصولها في الوسواس إلا أنه بعيد عن مقامنا هذا،فكل معصية محرمة يقف ورائها الوسواس لكن لا يدل أن كل وسواس يؤدي إلى المعصية المحرمة.

والآية الرابعة التي توهم بصدور المعصية منه عليه السلام قوله تعالى
(وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) فإنها واضحة مما لا يجعل مكان للشك أن آدمعليه السلام قد عصى الله وكانت نتيجة عصيانه الغواية، وقد يلتزم من يقول بمعصية الأنبياء بظاهرها إلا أن علماء الإمامية قد فسروا هذه الآية بما ينسجم مع نظريتهم القائلة عصمة الأنبياء عليهم السلام.
فالذي يفهم من لفظة (عصى) فهي وإن كانت مستعملة في لسان المتشرعة في الذنب والمخالفة للاِرادة القطعية الملزمة، ولكنه اصطلاح مختص بالمتشرعة ولم يجر القرآن على ذلك المصطلح، بل ولا اللغة، فإنّ الظاهر من القرآن ومعاجم اللغة أنّ العصيان هو خلاف الطاعة، قال ابن منظور: العصيان خلاف الطاعة، عصى العبد ربّه: إذا خالف ربّه، وعصى فلان أميره، يعصيه، عصياً وعصياناً ومعصية: إذا لم يطعه. وعلى ذلك فيجب علينا أن نلاحظ الاَمر الذي خولف في هذا الموقف، فإن كان الاَمر مولوياً إلزامياً كان العصيان ذنباً، وإذا كان أمراً إرشادياً أو نهياً تنزيهياً لم تكن المخالفة ذنباً في المصطلح، ولاَجل ذلك لا يصلح التمسّك بهذا اللفظ وإثبات الذنب على آدم عليه السلام.
ولا يسعنا في المقام إلا استعراض قول السيد المرتضى قدس سره في المسالة حيث قال

(مسألة) فمما تعلقوا به قوله تعالى في قصة آدم عليه السلام: (وعصى آدم ربه فغوى). قالوا وهذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلا قبيحة، وأكده بقوله
(فغوى)، وهذا تصريح بوقوع المعصية، والغي ضد الرشد.
(الجواب): يقال لهم أما المعصية فهي مخالفة الأمر، والأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب وبالمندوب معا، فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم عليه السلام مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة، ويكون بمواقعتها تاركا نفلا وفضلا وغير فاعل قبيحا، وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب. فإن تسمية من خالف ما أمر به سواه كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهرة، ولهذا يقولون أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني، وإن لم يكن ما أمره به واجبا، وأما قوله (فغوى)، فمعناه انه خاب، لانا نعلم انه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم. فإذا خالف الأمر ولم يصر إلى ما ندب إليه، فقد خاب لا محالة، من حيث انه لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحق بالامتناع، ولا شبهة في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة.
قال الشاعر
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية ؟ أو ليس هذا يوجب أن توصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم عصاة في كل حال، وأنهم لا ينفكون من المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب ؟ قلنا: وصف تارك الندب بأنه عاص توسع وتجوز والمجاز لا يقاس عليه ولا يتعدى به عن موضعه. ولو قيل انه حقيقة في فاعل القبيح وتارك الأولى والأفضل، ولم يجز إطلاقه أيضا في الأنبياء عليهم السلام إلا مع التقييد لان استعماله قد كثر في القبائح، فإطلاقه بغير تقييد موهم، لكنا نقول: إن أردت بوصفهم بأنهم عصاة أنهم فعلوا القبايح فلا يجوز ذلك، وان أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه استحقوا الثواب وكان أولى فهم كذلك 16
أما قوله تعالى (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)
فهل تدل على أن آدمعليه السلام قد اقترف سيئة توجب الخدشة في عصمته وذلك بقرينة التوبة التي منّ الله تعالى عليه أما لا تدل؟

إن (التوبة) لغةً بمعنى الرجوع، وإذا نسبت إلى الله تتعدى بكلمة "على" قال سبحانه: (لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النبي وَالمُهَاجِرِينَ وَ الا ََنْصَارِ الّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)17، أي رجع عليهم بالرحمة.

وإذا نسبت إلى العبد تتعدى بكلمة "إلى" قال سبحانه: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)18. وقال سبحانه: (أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 19
فإذا كانت التوبة بمعنى الرجوع، فعندما تعدت بـ "على" يكون معنى قوله: (فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) إن الله رجع عليه بالرحمة، فالتوبة في هذه الجملة توبة من الله على العبد لا من العبد إلى الله، ومعنى الأول هو رجوعه سبحانه على العبد باللطف والرحمة.
ومثله قوله سبحانه: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فالتوبة هنا من الله على عبده، ومعنى الآية أنّه سبحانه اصطفى آدم لبعد أن تلقى الكلمات ودعائه بها، فعندئذ رجع الله عليه بالرحمة وهداه سبحانه وأخرجه من الغواية التي غشيته، والظلمة التي اكتنفته، لأجل عدم الإصغاء إلى نصحه سبحانه وتقديم نصح غيره عليه.
نعم إنّ لفظة (فَتَابَ عَلَيْهِ) في سورتي البقرة وطه، دالة على أنَّ آدم "تاب إلى ربه"، ولأجل توبته إلى الله ورجوعه إليه بالندامة، تاب الله عليه ورجع عليه بالرحمة والهداية، ولكن لا دلالة لكل رجوع وإنابة إلى الله، على وقوع الذنب وصدوره منه، خصوصاً بالنظر إلى الشخصية التي يدور حولها البحث وهي شخصية آدم عليه السلام فمن الممكن أن يكون العمل بحدّ نفسه جائزاً لكن صدوره من شخصية كآدمعليه السلام يعتبر أمراً ممنوعاً فرجوع مثل هذه الشخصيات العظيمة وإنابتها إلى الله تعالى لا يكون دليلاً على صدور الذنب الممنوع منها، بل تعد دليلاً على سعة علمها بالعظمة الإلهية، ولأجل ذلك يقال: "حسنات الأبرار سيئات المقربين" وقال النبي (: "إنّه ليران على قلبي وإني استغفر الله كل يوم سبعين مرّة".20وليس هذا الاستغفار دليلاً على صدور الذنب، بل هو دليل على سعة علمه وعمق إدراكه لعظمة الله.
إلى هنا قد عرفت أن آدم عليه السلام لم يكن يوماً عاصياً لله تعالى ومخالفاً لعصمته يسير وفق هواه النفسي.

بحث استطرادي

من يتناول قصة نبي الله آدم عليه السلام لا يمكنه أن يغض الطرف عن نقطة طالما استوقفت كثير من الباحثين وهي البحث حول الجنة التي كان فيها آدم عليه السلام في بداية الأمر ، فالتساؤل المطروح هو هل أن الجنة التي كان فيها آدم عليه السلام هل هي جنة الخلد أم جنة من جنان الأرض ؟
ولعل السبب في طرح مثل هذا السؤال هو الآيات الواردة في وصف الجنة التي أعدها الله للمؤمنين إذ في كثير من الأحيان وفي كثير من المواضع نجد أن الله تعالى قد أخبر أن الذي يدخل الجنة يكون خالداً فيها كقوله تعالى
(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) 21 وكقوله سبحانه (أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) 22 وكقوله تعالى (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ) 23وغيرها من الآيات، والحال إن آدم عليه السلام إذا كان قد دخل تلك الجنة فكيف يخرجه الله تعالى منها مع أنه سبحانه أخبر أن من يدخلها يكون خالداً فيها ؟
كما أن كثير من الناس يظن أن الإنسان كان ينبغي أن يكون مقامه الطبيعي في الجنة إلا أن آدم عليه السلام بمخالفته الأمر الإلهي – الإرشادي- كان سبباً مباشراً لخروج جنس البشر من الجنة وبقاءه في الأرض،ومن يدعي هذا الكلام ما هو إلا جاهل متجاسر على مقام النبوة العظيم لما سوف نبينه في هذا القسم من البحث.

والمسالة محصورة في قولين
الأول:- أن الجنة المرادة بالآية المباركة هي جنة الخلد
الثاني:- أن الجنة المرادة بالآية جنة من جنان الأرض.
وقد أستدل من تبنى القول الأول بوجهين
أولها:- إن مفردة الجنة الواردة في القرآن منصرفة إلى جنة الخلد دون غيرها بقرينة الألف واللام العهدية، إذ أن المعهود بين المسلمين عند إطلاق لفظ الجنة هو جنة الخلد دون غيرها.

ويمكن الجواب عن هذه النقطة بجوابين

الأول:- جاء معنى الجنة في اللغة على عدة وجوه منها
(الجنة: البستان، ومنه الجنات، والعرب تسمي النخيل جنة، قال زهير: كأن عيني في غربي مقتلة، من النواضح، تسقي جنة سحقا24
ومنها (الجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وجمعها جنان، وفيها تخصيص، ويقال للنخل وغيرها. وقال أبو علي في التذكرة: لا تكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة، وقد ورد ذكر الجنة في القرآن العزيز والحديث الكريم في غير موضع) 25.
وجاء معناها (والجنة: هي دار النعيم في الدار الآخرة، من الاجتنان، وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها، قال: وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنة جنا إذا ستره، فكأنها سترة واحدة لشدة التفافها وإظلالها، وقوله أنشده ابن الأعرابي وزعم أنه للبيد: درى باليسارى جنة عبقرية، مسطعة الأعناق بلق القوادم.) 26
إذا عرفت هذا نقول أنه لا وجه لتخصيص الجنة التي كان فيها آدمعليه السلام بالجنة الأخروية إذ أن الجنة قد تطلق على مطلق البستان وتطلق على الحديقة التي تتصف بشدة الظل وكثرة الخضرة وقد تطلق على الجنة الأخروية وهي جنة الخلد كما أتضح لك،ويدعم ما ذهبنا إليه عدة من الآيات كقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) 27 وكقوله تعالى
(وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين) 28 وكقوله تعالى (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) 29
وهذه الآيات كلها تصف الجنان الأرضية دون جنة الخلد.
الثاني:- والاحتجاج بأن الألف واللام في قوله ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني مسلم ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام فإن آدم خلق من الأرض ولم ينقل أنه رفع إلى السماء وخلق ليكون في الأرض وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال (إني جاعل في الأرض خليفة) قالوا: وهذا كقوله تعالى (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) فالألف واللام ليس للعموم ولم يتقدم معهود لفظي وإنما هي للمعهود الذهني الذي دل عليه السياق وهو البستان.

فلا وجه لتخصيص الجنة التي كان فيها آدم عليه السلام بجنة الخلد لما عرفت من أن لفظ الجنة في القرآن أعم من جنة الخلد.


ثانيها:- إن ما يدل على كون الجنة التي كان فيها آدمعليه السلام هي جنة الخلد قوله تعالى (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) 30
إذ أن قوله تعالى أهبطوا دليل على أن آدمعليه السلام كان في جنة الخلد التي مقرها في السماء ونتيجةً لعدم امتثاله الأمر أهبطه تعالى إلى الأرض، والهبوط إنما يكون من مكانٍ عالي إلى مكان داني.
والجواب عليه
إن ما ذكر من كون الهبوط إنما يكون من مكان عالي إلى مكان داني لا شبهة في صحته إلا أن الهبوط إنما يصدق على التحرك من مكان إلى آخر كما جاء في القرآن
(اهْبِطُواْ مِصْراً 31) وكقوله تعالى (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)32
ومن المعلوم أن قوله اهبطوا مصرا لا يدل على أن المخاطب كان في السماء حتى يُؤمر بهبوط مصر وكذا نبي الله نوح عليه السلام فإنه لم يكن بسفينته في السماء حتى يأمره الله بالهبوط للأرض، وبهذا يندفع توهم أن الهبوط المراد به في الآية هبوط من السماء إلى الأرض أو هبوط من جنة الخلد إلى الأرض.


ولا مانع بل هو الواقع أن الجنة التي أسكنها آدم كانت مرتفعة عن سائر بقاع الأرض ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور كما قال تعالى (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى)33 أي لا يذل باطنك بالجوع ولا ظاهرك بالعرى. (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) أي لا يمس باطنك حر الظمأ ولا ظاهرك حر الشمس. ولهذا قرن بين هذا وهذا وبين هذا وهذا لما بينهما من الملائمة. فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نهي عنها اهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنصب والكدر والسعي والنكد والابتلاء والاختبار والامتحان واختلاف السكان دينا وأخلاقا وأعمالا وقصودا وإيرادات وأقوالا وأفعالا كما قال تعالى (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) 34 ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال تعالى (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) 35ومعلوم انه كانوا فيها لم يكونوا في السماء.
إلى هنا قد عرفت أدلة القائلين بالقول الأول وهو أن آدم عليه السلام كان في جنة الخلد
وقد استدل أصحاب القول الثاني بعدة من الأدلة نذكر عمدتها إتماما للفائدة.
الدليل الأول:- لو كانت الجنة جنة الخلد لما خرج منها آدم عليه السلام إذ كيف يصف الله الداخلين لها بالخالدين كما قال تعالى (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) 36 ويُخرج منها آدم عليه السلام ؟
ويدل على ما ذهبنا إليه رواية أبي عبد الله الصادق عليه السلام عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن عثمان، عن الحسين بن بشار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن جنة آدم فقال: جنة من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الخلد ما خرج منها أبدا. 37

الدليل الثاني:- قوله تعالى (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)38
ووجه الاستدلال بهذه الآية
قال بعض المفسرين أن إبليس لما وسوس لآدم عليه السلام إنما كان في المكان الذي كان آدم عليه السلام يسكن فيه وهو جنة الخلد لكن إبليس نتيجةً لعصيانه أمر الله تعالى أخرجه تعالى منها أي من جنة الخلد الذي كان مسكنا لآدم عليه السلام .
وقد اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى (اخرج منها) فقال جماعة أنه يرجع إلى السموات وقالوا الآخرون أنه يرجع إلى جنة الخلد وقال البعض أنه يرجع إلى جملة الملائكة.
أما مرجع الضمير إلى السموات فبعيد إذ لم يكن هناك ذكر للسماء في الكلام وعدم العهد بها بحيث ينشأ المعنى العهدي، فمن الجائز أن يرجع الضمير إلى غير السماء.

وأما إذا قلنا أن مرجع الضمير إلى جنة الخلد فإنه غير تام أيضا وذلك لأن لو قلنا أن إبليس قد أخرجه الله تعالى من جنة الخلد فلا سبيل للرجوع إليها والدخول فيها مرة أخرى أمر محال إذ يقول تعالى (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) 39 والحال نرى أن إبليس قد صاحب آدم عليه السلام وسوس له (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) 40
وإذا سلمنا أن آدم عليه السلام كان في جنة الخلد كيف يدخل إبليس إليه ويغره ويوسوس له وهو المرجوم المطرود منها ؟
وهذه الوسوسة إنما حصلت بعدما أبى وامتنع إبليس من السجود لآدم عليه السلام الأمر الذي أدى إلى طرده من رحمة الله واستحقاق العقاب.
فلا يصح أن يكون مرجع الضمير في قوله تعالى (أخرج منها) إلى جنة الخلد.
ومن هنا نفهم أن الوسواس الذي أدى إلى خروج آدم عليه السلام من الجنة إنما كان في غير جنة الخلد لامتناع الوسواس في جنة الخلد كما عرفت.

ويتعين أن مرجع الضمير في قوله تعالى (اخرج منها) إلى زمرة الملائكة وهو الحق
بدليل قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) 41
إن الملاحظ في الآيات الكريمة أن الخطاب الإلهي كان مع جملة الملائكة الذين أمرهم الله تعالى أن يسجدوا لآدمعليه السلام ففعلوا ما طلب منهم سبحانه إلا إبليس الذي امتنع من السجود لآدمعليه السلام ونتيجةً لمخالفته الأمر الإلهي أخرجه سبحانه من جملة الملائكة ومن زمرتهم.
فتحصل أن إبليس قد كان في المكان الذي أسكن فيه الله آدمعليه السلام وهذا المكان هو جنةٌ لكن هل هي جنة الخلد أم جنة من جنان الأرض ؟
أما الأول فقد ثبت أن بطلانه لما عرفت فيتيعن المعنى الثاني وهو أن الجنة التي كانا فيها آدم عليه السلام وإبليس جنة من جنان الأرض.

الدليل الثالث:- قوله تعالى (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) 42

بعدما عصى إبليس ربه طلب منه أن ينظره إلى يوم القيامة حتى يغوي العباد عن طريق الله سبحانه، إلا أن الملاحظ أن قدرة إبليس وسلطته إنما كانت محصورة في الأرض دون غيرها، فإبليس ليس له السلطنة والسبيل إلى إغواء من كان في السماء فضلا عن من كان في جنان السماء، وهذا ما قاله إبليس (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)
ولم يقل في السماء بل حصرها في الأرض.
وبعدما حصل إبليس على مراده قام بأول عملية وسوسة وكانت لآدمعليه السلام في القصة التي مرت عليك وهذه الوسوسة كانت بالأرض إذ أن قدرة إبليس على الوسوسة كانت محصورة بالأرض لما عرفت ولم تكن بالسماء، وهذا دليل على أن آدم عليه السلام كان في جنة من جنان الأرض ولم يكن في جنة الخلد.
فتحصل من مجموع هذه الأدلة أن آدم عليه السلام كان في جنة أرضية ولم يكن في جنة الخلد.

1 سورة البقرة آية 36
2 سورة طه آية 115-122
3 مصباح الأصول - تقرير بحث الخوئي للبهسودي ج 2 ص 481
4 المحكم في أصول الفقه - السيد محمد سعيد الحكيم ج 4 ص 134
5 سورة البقرة آية 36
6 سورة البقرة آية 37
7 سورة طه آية 117-119
8 سورة الأعراف آية 22
9 سورة الآعراف أية 20
10 سورة البقرة آية 30
11 سورة البقرة آية 31-32
12 سورة البقرة آية 31-32
13 سورة الآعراف آية 22
14 لسان العرب - ابن منظور ج 11 ص 306
15 لسان العرب - ابن منظور ج 6 ص 254
16 تنزيه الأنبياء- الشريف المرتضى ص 24
17 سورة التوبة آية 117
18 سورة البقرة آية 54
19 سورة المائدة آية 74
20 صحيح مسلم: 8/72،
21 سورة آل عمران آية 15
22 سورة آل عمران آية 136
23 سورة آل عمران آية 198
24 لسان العرب - ابن منظور ج 31 ص 99
25 لسان العرب - ابن منظور ج 31 ص 100
26 لسان العرب - ابن منظور ج 31 ص 100
27 سورة الانعام آية 98
28 سورة الإنعام آية 140
29 سورة الرعد آية 4
30 سورة البقرة آية 36
31 سورة البقرة آية 62
32 سورة هود آية 48
33 سورة طه آية 118
34 سورة البقرة آية 36
35 سورة الإسراء آية 104
36 سورة الاحقاف آية 14
37 بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 6 ص 284
38 سورة الصافات آية 87
39 سورة الحجر آية 35
40 سورة الأعراف آية 22
41 سورة الحجر آية 35
42 سورة الحجر آية 40
لا يوجد أي تعليق حول المقال.



السيرة الذاتية |الكتب والمؤلفات |المقالات |الملف العقائدي |الملف الفقهي |بحوث الموقع |الأسئلة والردود |سجل الزوار |اتصل بنا |

 
موقع سماحة السيد جواد القزويني              info@alqazweeni.com              لا يجوز شرعاً النسخ إلاّ بالاشارة إلى المصدر
powerd by: w3village.com