


قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تعلم حسن القول، ولا تقطع على أحد حديثه
الشرح:- ليس هناك صفة سلبية تصيب الإنسان وتوصف بالمقيتة كالجهل، فالجهل يعمل على تحييد الفكر الإنساني من الانطلاق في آفاق المعرفة ويجعله أسيراً لمحيط غاية في الضيق الأمر الذي يسلب من الإنسان القدرة على التطور نحو مستقبل مشرق، والجهل آفة تصيب الإنسان في مدركاته الفكرية في شتى الجوانب، لكن أخطرها هو الجهل الذي يصيب ما يتعلق بأمور الدين، فجهل الإنسان بمفردات وقوانين هذا المضمار يؤدي بطبيعة الحال إلى خسارة نفسه على المستويين الدنيوي والأخروي، ومن هذا المنطلق حث أهل البيت عليهم السلام في روايات كثيرة الجلوس عند علماء الدين للاستزادة في هذا المجال، وليس مجرد الجلوس عند علماء الدين هو المطلوب بل لابد أن يكون هذا الجلوس مصحوباً بطلب الفائدة، ومن هنا يبين لنا الأمير سلام الله عليه في هذه الرواية الأدبيات التي يجب أن يتحلى بها من أراد أن يجلس بجوار عالم رباني، فهذه الأدبيات هي الطريق المثلى نحو الاستفادة الكاملة من علم ذلك العالم.
فقوله عليه السلام ( على أن تسمع أحرص منك على أن تقول) إشارة إلى أن إحدى أهم النوافذ نحو المعرفة تبدأ من الاستماع إذ أن وصول المعرفة نحو العقل يبدأ طريقها من الاستماع وليس من اللسان، ولذا نجد أن الذين يستمعون الحق ولا يؤمنون به وصفهم الباري عزوجل بالأنعام حيث قال في حقهم (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)
فالعالم الذي يتحدث ويبين المجمل من أمور الدين في سبيل إيصال معلومة دينية مهمة يجب أن يُقابل بآذان صاغية تعي المعنى وتتبحر فيه ليبدد الإنسان ظلمة الجهل بنور المعرفة، ولا يمكن أن يتحقق هذا المعنى إلا بالاستماع الواعي فلا يغلب طابع الكلام على طابع الاستماع، ومن هنا أشار الأمير سلام الله عليه إلى أن الإنسان حتى لو كان من طابع التكلم غالب على طابع الاستماع إلا أن في مثل هذا المورد يجب أن يكون أحرص على تفعيل جانب الاستماع ليكون هو السائد في مجالس العلماء.
وأما قوله عليه السلام (وتعلم حسن الاستماع كما تعلم حسن القول) فهو ترقي في تنمية هذه الصفة أي صفة حسن الاستماع فيحث الأمير سلام الله عليه أن يتعلم المرء حسن الاستماع على أصوله، فلا يكون المرء مستمعا بآذان مقفلة، أي أن لا يكون غافلاً عن المتكلم وشارد الذهن بحيث تراه سابحاً في عالم آخر غير مبالٍ بالمتحدث، أو أن لا يلتفت إلى المتحدث فتجده رامي بناظريه إلى جهة أخرى مما يستلزم إهانة المتحدث والتقليل من شأنه، فقد كان رسول الله (ص) إذا التفت التفت جميعاً، ولا أن يكون الاستماع مشرّبا بالكبرياء والغرور بل لابد أن يتحرى الفائدة من كلام المتحدث متواضعاً أمام المعرفة، ولا أن ينتظر زلة المتحدث كي ينقض عليه توهينا، فالاستماع له أدبيات يجب أن يتعلمها الناس كي يجنوا ثمار استماعهم
قال تعالى (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) .
وليس مقبولاً قول القائل الذي يقول أن طبع نفسي هو الكلام أكثر من الاستماع، لأننا سوف نجيبه بأن هذا الطبع ليس قرآناً منزل لا نقاش فيه ولا يمكن أن يتبدل، بل هو طبع تطبع الإنسان عليه وأمر اعتادته النفس فله القدرة على تغيره سيما إذا كان هذا الطبع من الطباع السيئة، فلابد أن يعي المرء هذه الجهة ويراعيها وينميها وفق المنهجية التي رسمها لنا أهل البيت عليهم السلام.
وليس الأمر متوقفاً عند حسن الاستماع فحسب بل ترقي الأمير سلام الله عليه في الرواية يطال حتى حسن القول والحث على تعلمه، فكما لحسن الاستماع أدبيات مخصوصة فكذلك حسن القول، وهو أمر محبوب للمولى، كأن يعرف المرء متى يبدأ كلامه وبماذا، وكما أن لا يكون كلامه حاوياً لما هو محرم كالغيبة والنميمة والكذب، وأيضا أن لا يكون كلامه بعيداً عن الإطناب الممل والإيجار المخل، وأيضا لا يهين بكلامه مؤمناً ولا يستهين بآخر وأن لا يتفكه بسيرة الناس، وأن ينتقي ألفاظه بما ينسجم وطبيعة الخطاب الديني بحيث لا يكون حاوياً للفحش من القول، وإذا ما خاطب مؤمناً نظر إليه وأبدى إليه اهتماماً لا أن يكلمه باستعلاء مقيت أو بشموخ فارغ.
وأما قوله (ولا تقطع على أحد حديثه) فأنه سلام الله عليه ينبه على أدب الحوار في المجلس، وأنه ليس من الصواب أن يقطع الإنسان كلام متحدث حتى يفرغ من كلامه وحديثه، لما في هذا الأمر من اهانة للمتحدث وكأنك بفعلتك هذه تترك لديه انطباع مفاده أن كلامك لا فائدة منه أو أنه ليس ذو أهمية، الأمر الذي يؤدي إلى كسر المؤمن ومن كسر مؤمناً وجبه جبره، فالأدب يتطلب من المستمع الانتظار حتى يفرغ المتحدث من حديثه ثم يدلي بدلوه فينتقل الكلام له، ومن الطبيعي أن التنسيق الضمني بين المؤمنين في هذا الجانب يقود المجالس إلى فاعليتها العلمية أكثر مما إذا كان المجلس مكتظا بمتحدثين عدة في آن واحد، فلو كل فرد انتظر حتى ينهي الآخر حديثه ويبتدئ هو لأصبحت المجالس بحر من الفوائد.
والحمد لله رب العالمين.
(1) المحاسن - أحمد بن محمد بن خالد البرقى ج 1 ص 233