لون النص
     
     
     
لون الخلفية
     
     

حقيقة البلاء



بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين سيما بقية في الارضيين عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

قال تعالى (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)

إننا كبشر مملوئين بالاحاسيس والعاطفة الجياشة نتعامل مع محيطنا وواقعنا بما فيه من أحداث سلبية من خلال هذه المعطيات النفسية التي في كثير من الاحيان تعمل على خداعنا فتتسلل النتائج السلبية الى أفكارنا فنبني عليها الفكرة المشوشة لتستقر في كوامن عقولنا فتسبب ربكة فكرية تنتهي الى الاصطدام مع واقعنا الديني، الأمر الذي يهز ثوابتنا ويخرجها عن الجادة التي رسمها لنا أهل البيت عليهم السلام.

ولذا كانت السمة الفارقة بين المؤمن وغيره هو التحكم بهذه العوامل النفسية واخضاعها للسيطرة العقلية وادراجها تحت قانون السماء لما فيه من مصلحة ترجع ولو بعد حين على المؤمن، ولذا نجد أن غير المؤمن عندما يتعامل مع المصائب فأنه يطلق العنان لعوامل التأثر النفسي فينقاد للشيطان حتى يصبح دمية تتقاذها الشياطين فيما بينهم فيكون يائسا بائسا مكتئبا خائفا يعتريه القلق من كل حادث يحصل هنا أو هناك فلا يستطيع التقدم في حياته ويبقى اسيراً لمخاوفه، أما المؤمن تراه يركن لله سبحانه مسلما لقضائه وقدره مؤمنا بما اصابه من بلاء محاولاً القفز على الآمه حتى تصبح مشاعره منقادة الى إرادة السماء فيكتسب رضا ربه ويعزز مكانه في جنات النعيم، ويعمل على تجذير التجربة في نفسه ليستفيد منها في مستقبله فيكون إنسانا متوكلاً على المولى سبحانه وتعالى.

ومن هنا نجد أن أصحاب الشرائع كانوا دوما محاربين، وأتباعهم مضطهدين مسحوقين، إلا أنهم بما أصابهم من مصائب صابرون، وبما يرميهم الاعداء من نوائب قانعون، بل فرحون بما آتاهم الله من فضله وهم يستبشرون، وللجنة يشتاقون، لما تكشفت في قلوبهم حقائق الايمان، وتجلت لهم بدائع آيات الرحمن، وما أعد لهم من الخيرات في الجنان، فالدنيا للمؤمنين ليست بدار بقاء ومقام، إنما دار تمحيص وامتحان قال تعالى (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)

فكلما كانت البلوى والاختبار أعظم، كانت المثوبة والجزاء أجزل، ألم يقل رسول صلى الله عليه وآله: ما اوذي أحد مثل ما اوذيت وورد عن الصادق عليه السلام: إن أشد الناس بلاء الانبياء ثم الذين يلونهم ثم الامثل فالامثل من الاوصياء والاولياء، الذين نزلت أنفسهم منهم في البلاء، كما نزلت في الرخاء، فهم بالغنى غير فرحين، وبالفقر غير مغتمين.

ولعل السؤال الذي يسبح في عقول كثير من المؤمنين لماذا البلاء ؟ لماذا نجد قسما من الناس تصيبهم ألوان البلايا وقسما آخر في مأمن عن هذا البلاء خصوصا أن البلاء سيال على شريحة ليست بالقليلة من المؤمنين.؟

إن هذا السؤال طالما طُرح في العقل الإنساني وهو تساؤل مشروع جدا، وللاجابة عليه لابد أن نبين مدى صلاحية العقل على استيعاب فكرة البلاء.

يعتبر العقل الإنساني آلة تتعامل مع واقع ظاهر ومعطيات قد اكتسبت في خلال مسيرة الإنسان في حياته فيعمل على توظيفه إما سلبا أو ايجابا، ومهما بلغت هذه المعطيات سعةً وكثرةً إلا أنه تبقى في اطار المحدودية فلو اجتمعت كل العقول البشرية على أن تبين ماذا سوف يحدث غداً فإنها سوف تعجز على ادارك الغيب فترى البعض يلجأ الى المنجمين والكهنة للاطلاع على المستقبل محاولة منهم للسيطرة على الغيب ولو بنزر يسير وهذا يكشف عجز العقل البشري عن فهم كثير من الأمور خصوصا ما يتعلق منها بالغيب.

ولذا كثير من الناس يتعامل مع ما يصيبه من بلاء بنفس هذا المنطق فتراه باحثا عن سبب هذا البلاء متسائلا ماذا فعلت كي اصاب بهذا اللون من البلاء ؟ خصوصا إذا ما كان ملتزما باحكام الشريعة مبتعدا عن الرذائل والمعاصي مستقيما في خلقه واعماله، وهذا التساؤل يقف أمامه العقل خجولا عن اجابته لا يملك إلا أن يدفع صاحبه الى اللجوء الى المولى سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته الطاهرين عليهم السلام حتى يعثر على الاجابة لتهدأ نفسه وتطمئن روحه، لان هذا التساؤل يحمل في طياته قناعة مفادها أن المؤمن يُفترض أن لا يصاب بمصيبة أو لا يبتلى ببلاء كونه مؤمناً وهذه القناعة جد خاطئة حيث على العكس تماما نجد أن هذه الفكرة خلاف ما دل عليه القرآن وأهل البيت عليهم السلام، فالبلاء في المفهوم القرآني هو لأجل التمحيص والاختبار واخضاع القناعات الدينية والمتبنيات الاسلامية الى محكٍ واقعي خارج اطار اللسان والقول، فلا يكفي للمؤمن أن يدّعي أنه مؤمنا في الرخاء بل لابد أن يترجم هذه الدعوة في اختبار حقيقي يمسه من حيث لا يحتسب.

ثم إن البلاء على أنواع وأحوال، فمرة يكون للعقاب والنكال لما اقترفه المرء من الموبقات، فيبتلى بالامراض والعاهات، أو تلف الأهل والاولاد، وجار سوء وتنغيص اللذات، أو تسلط سلطان فيفرق الاحباب ويشتت الجماعات، قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله يبتلي عباده عند الاعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات مشيرا إلى ما ورد في الذكر الحكيم: ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات أوفي قوله سبحانه: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات وهذا ديدن الدنيا، فكم جمحت بطالبها وأردت راكبها، وخانت الواثق بها، وازعجت المطمئن إليها، فلا تدوم أحوالها، ولا يسلم نزالها، فجمعها إلى انصداع، ووصلها إلى انقطاع. ومرة يكون البلاء تمحيصا للذنوب ورفعا للدرجات وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين وقد قال الامام علي عليه السلام: الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم، لتسلم بها طاعاتهم ويستحقوا عليها ثوابها. وقال أيضا: ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجا للتكبر من قلوبهم، وإسكانا للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبوابا إلى فضله. ولهذا استخلص الجليل سبحانه المؤمنين للآخرة، واختار لهم الجزيل مما لديه من النعيم المقيم، الذي لا زوال له ولا اضمحلال، لصبرهم على البلاء، ورضاهم بالقضاء، وشكرهم النعماء، إذا أن الصبر أول درجات الايمان، فإذا ترقى العبد في إيمانه بلغ منزلة الرضا بالقضاء، وإذا ازداد في سلم الايمان علوا وسموا وصعودا، أصبح شاكرا لربه على البلاء، فالاولياء الصالحون لن يكونوا مؤمنين إلا كما وصفهم الامام الكاظم عليه السلام مخاطبا: حتى تعدوا البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وذلك أن الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء.

ثم أن المؤمن كلما اقترب من ربه منزلة أتحفه الله بأنواع المصائب والبلايا، فتتوالى عليه من كل مكان، وتسدد سهامها إليه من كل جانب، وهل البلاء إلا لمن أخلص لله وآمن به، الامثل فالامثل، ليجزيه الله الجزاء الاوفر.

عندما نبحث في البلاء في مدرسة أهل البيت عليهم السلام نجد أن البلاء كاشف مهم عن الإيمان ولعمري إن كان البلاء يكشف عن ايمان الفرد فهي السعادة القصوى التي نسعى إليها في هذه الدار فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عزوجل: عبدي المؤمن لا أصرفه في شئ الا جعلت ذلك خيرا له، فليرض بقضائي، وليصبر على بلائي. وليشكر على نعمائي، أكتبه في الصديقين عندي.

وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لو يعلم المؤمن ماله في المصائب من الاجر لتمنى أن يقرض بالمقاريض.

ومن هنا نفهم أن الصبر مطية النجاة، وقد ذهب الصابرون المتقون بعاجل الدنيا وآجل الآخرة " تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا، والعكس صحيح كما جاء في حديث أمير المؤمنين عليه السلام: ان جعلت دينك تبعا لدنياك، أهلكت دينك ودنياك وكنت في الآخرة من الخاسرين، فما قدمت فلا تجازى إلا به، وما أخرت فللوارثين، ولا تخرج من دنياك إلا صفر اليدين، قد أثقلت ظهرك بالاوزار الثقال، التي تنوء بها كالجبال.

لابد أن نستوعب محيطنا وبما يصيبه من رزايا وبلاء بالمنهج الذي رسمته لنا السماء حتى نخرج من دنيانا فرحين قرري الأعين وأن نجابه الفكرة الظلامية بنور كلام أهل البيت عليهم السلام لتستقر نفوسنا وتهجع أرواحنا.

إن الإنسان وخصوصا المؤمن معرض في أي لحظة لأي صنف من صنوف البلاء إن كان فقد عزيز أو مرض أو فقر أو ما شاكلها من البلايا فلابد أن يرضى بقضاء الله وقدره ويتأخذ من الصبر جلبابا ويؤمن أن ما قدره الله تعالى وإن وجدناه قاسيا يصب في مصلحة المؤمن، وليبتعد عن التقوقع في الحزن بل يلجأ الى الله تعالى وليترجل المؤمن من صهوة الماضي الى أرض الحاضر وليكمل مسيرته مستعينا بالصبر وليجعل شعاره في حياته قول الإمام الحسن عليه السلام اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا واعمل لاخرتك كأنك تموت غدا.

وأخيراً

نستذكر أمامنا الحسين عليه السلام الذي غلف الوجود بالحزن والوجد وبكته أملاك السماء فهو كهفنا وهو ملاذنا ومهما فقدنا من أعزاء فلا يقارنون بأمامنا عليه السلام.

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام.

ودمتم لكل الخير،،،

جواد القزويني